وهو استعمار البلاد بأقل ما يمكن من النفقة لإسكات دافعي الضرائب عن المعارضة
للحكومة فيه.
قرن الخطيب مشروع حكومة العراق بمشروع استقلال مصر الذي يطلبه
الوفد المصري، وأين هو منه؟ إن المصريين يطلبون أن تكون بلادهم دولة
مستقلة في داخليتها وخارجيتها ذات مجلس نيابي منتخب وحكومة مسئولة لديه،
وسفراء وقناصل في الممالك الأجنبية، وأن يعقد بينها وبين إنكلترة اتفاق أو
محالفة تحفظ هذه بها مصالحها، وتكون ممتازة بها على غيرها من الدول، فإذا
كانت إنكلترة تسمح بمثل هذا في العراق يكون اقتراحه وجيها جديرا بأن يقبل
بالتحفظ الواجب.
(ثم بينت أن الأمة العربية قد عرفت الحقائق فلا تنخدع بخلابة الألفاظ ولا
يعوزها إلا جمع الكلمة، واتحاد كاتحاد الشعب المصري بين أبناء الملل والمذاهب
وإلا أضاعت نفسها) .
قلت: وإني أذكر في هذا المقام حديثا لي مع مدير المخابرات البريطانية
بدمشق، إذ كان تفضل بدعوتي إلى شرب الشاي عنده فجئته مع بديع أفندي
الحوراني - ولعله معنا هنا - ودار حديث بيننا على المائدة في المسألة المصرية، ثم
في المسألة السورية قال: أترى أن سورية تستغني عن مساعدة أجنبية؟ قلت: لعلكم
تظنون أن مثلي يستحي أن يدعي أن بلاده وصلت في الارتقاء والعمران إلى الدرجة
التي تجرئه على القول بأنها تستغني عن مساعدة، فلا مندوحة له عن الاعتراف
بحاجتها إلى ذلك، فتقوم عليه حجتكم بوجوب الوصاية عليها، أنا أقول: إن الأمم
والشعوب كالأفراد لا يستغني بعضها عن مساعدة بعض، فهذه بريطانية العظمى التي
وصلت إلى ما يعلم كل الناس من الحضارة وسعة الملك وحسن الإدارة والنظام قد
اعترف ملكها السابق السياسي العظيم (إدورد) بأنها محتاجة إلى مساعدة رجال من
الألمان على تنظيمها، روت ذلك مجلة بريطانية عن أميرة إنكليزية هي (الكونتس
ورك) قالت: إنه شرب الشاي عندها قبل وفاته بثلاثة أشهر، فذكرت له في تحاورها
معه بغضه لابن أخته (غليون) عاهل الألمان، فنفى ذلك وذكر لها إعجابه بما
وصلت إليه الإدارة الألمانية من الارتقاء وتمنى لو أن معه رجالا منهم يتولون إدارة
بلاده، قال: ولكنهم إذا جاءوا لا يخرجون، وقد ترجمت هذه المقالة بالعربية ونشرت
في مجلة المقتطف المصرية [5] فإذا كان ملككم يقول بأنكم محتاجون إلى مساعدة أمة
أخرى، فهل أقول أنا إننا لا نحتاج إلى مساعدة غيرنا ممن نعترف بأنهم أعلم منا
وأرقى نظاما، لا، وإنما أقول: إن المسألة مسألة طمع لا مساعدة، إنكم تطمعون في
استعمار بلادنا والسيادة عليها وتسمون ذلك مساعدة، لإقامة الحجة وتهوين الخطب
علينا، إن المساعدة بمعناها اللغوي المعروف من أعمال الخير والبر التي لا مشاحة
فيها ولا تنازع ولا خصام، فإذا ساعدت فقيرا على معيشته بإعطائه جنيها فلا أقاوم
ولا أخاصم من يعطيه جنيها أو عشر جنيهات. فما بالكم تختصمون وتتنازعون في
قسمة البلاد التي تدعون الرغبة في مساعدتها؟ ثم إن الإقناع بقبول المساعدة الحقيقية
لا يكون بقوة السلاح، فما بالكم تحتلون البلاد بالجيوش المسلمة بجميع أنواع الأسلحة
وتفتكون بمن لا يخضع لكم من شعوبها؟
ثم سألته بشرفه واستقلاله السكسوني: أي المنطقتين خير في حفظ الأمن العام
والحرية الشخصية وعدم التعصبات الدينية والمذهبية؟ آلمنطقة الشرقية التي يتولى
إدارتها العرب الذين بعد عهدهم بالإدارة أم المنطقة الغربية التي يتولاها الفرنسيس؟
فاعترف بتفضيل المنطقة الشرقية في ذلك، فقلت: إذا يكونوا هم أحوج إلى
مساعدتنا منا إلى مساعدتهم فضحك وضحكنا.
وقد كنت أحب أن أطيل القول في هذا الخطاب بما أشرت إليه من وجوب
الاتحاد والتعاون بين الطوائف، والتنويه باتحاد الشعب المصري الذي ضربته مثلا
حاليا للشعب السوري، وبما ينقصنا من وحدة الزعامة، ولكن خشيت ملل
الحاضرين الذين فوجئوا من السياسة بما لم يكن ينتظره أكثرهم، ورأيت أن أترك