وقد خرج بعد وداعي له بنصف ساعة حمله قطار خاص بمن معه إلى درعا.
***
يوسف بك العظمة
ولا بد لي من كتابة كلمة في هذه الخلاصة التاريخية بشأن يوسف بك العظمة
الذي كنت معجبا بما أوتي من الذكاء والنظام والهمة والنشاط والوطنية وحسن
السلوك منذ عرفته معتمدا للحكومة العربية في بيروت إلى أن عين وزيرا للحربية
باقتراحي وسعيي مع بعض الإخوان، استبد يوسف بالعمل في وزارة الحربية وكان
يكتم أعماله حتى عن رئيس الوزارة، بل يعمي الأمر إلا على الملك فيما أظن،
ولما اشتدت الأزمة سألته هل هو مستعد للدفاع؟ قال: نعم، إذا وافق الملك، وإذا
خالفناه نخشى أن يلجأ إلى الأجانب، ولما عين ياسين باشا الهاشمي قائدا لموقع
العاصمة عقب الإنذار وأظهر للوزارة ما فيها من النقص أي على خلاف ما كان
يقول، ثم إنه وافق الوزارة على قرار التسليم بما طلب غورو، بعد هذا كله رأيته
في بيت الملك مع الوزراء فكلمته وحده كلاما شديدا وذكرته ببعض كلامه فقال
ووجهه ممتقع كوجه الميت: إنني مذنب وأتحمل تبعة عملي، وكدت البارحة أنتحر
من الغم فلا تزد علي، ولما خرج إلى الدفاع بمن بقي معه من بقايا جيشه تزين
ولبس ملابسه الرسمية ووطن نفسه على الموت، فكان شرفه الذي امتاز به أنه لم
يقبل أن يعيش ذليلا، بل أراد أن يكفر بدمه عن ذنب التقصير المبني على الثقة
والغرور.
كان فشل هذه المدافعة بخان ميسلون أمرا جليا لا يجهله مثله ولا مثلي ممن لا
يعلم من الحرب شيئا، ولذلك رغب إلي الكثيرون أن أخطب في المتطوعين وفي
بعض المساجد في الحث على الدفاع فامتنعت، كما أبيت مرارا أن أخطب في
الاحتفالات السياسية، وقلت لبعض الخواص: إنني لا أغش أحدا ولا أستطيع أن
أقول في هذا المقام ما أعتقد؛ لأنه يضر الآن ولا ينفع، وقد نصحت للعاملين في
كل شيء في وقته فلم يفد، على أن ما اندفعت إليه الأمة من أمر الدفاع شريف
ولا بد منه.
***
خلاصة آراء فيصل والأمة وغورو
وخلاصة الخلاصة أن فيصلا كان يعتقد أن الوصاية على البلاد أمر مقضي،
وأنه لا يمكن إيجاد قوة وطنية تحفظ الاستقلال، فكان لذلك يجتهد في إرضاء كل
ذي مكانة وتأثير إلى أن يضع الحلفاء القرار الأخير الذي كان يرى أنه قادر على
السعي إلى جعل وطأة الوصاية فيه خفيفة، ولذلك لم يهتم بأمر الاستعداد للدفاع
بتنظيم قوى العشائر ولا بالجيش النظامي ولم يكن يعتقد أنه يهاجم هذه المهاجمة،
فلما هوجم لم يجد بدا من الخضوع، فهو لم يستعد للقتال ولو دفاعا، وما اضطر
إليه من إيجاد جيش دفاعي - جيش منظم - بادر إلى تسريحه عند الحاجة إليه،
وقد أعلن الحرب في الوقت الذي كان يفاوض في أمر التسليم، وهو لا يزال يرى أن
رأيه كان هو الصواب، وأن كل ما خالفه خطأ، وأنه أخطأ لعدم الاستبداد بتنفيذ ما
كان يراه بالقوة، وقد صرح بخطته وعمله مرارا في أوربة، وبلغنا أنه يريد أن ينشر
فيه كتابا رسميا.
وأما زعماء الأمة الذين خالفوه، فقد بينا أنهم علموا بعد طول الاختبار أن
الدولتين شرعتا في تنفيذ ما اتفقتا عليه من استعمار بلادهم، فالأولى أن تقاومهم
الأمة بالحجة وبالدفاع عن نفسها إذا هاجموها بالقوة؛ ليكون مركزهم فيها مركز
المغتصب وقبول الانتداب يجعله شرعيا.
وأما الجنرال غورو فكانت سياسته إخراج الشريف فيصل من سورية مهما
تكن حاله؛ لأنه ناصبهم وأغرى العصابات والعشائر بهم، وصار له نفوذ في البلاد
يمكن أن يكون خطرا عليهم في كل وقت، ولا سيما إذا اشتد الخلاف بينهم وبين
إنكلترة التي يعدونه من صنائعها المخلصين لها، فهو قد حارب الأمير فيصلا القائد
الحجازي الذي يعده أجنبيا عن سورية لإنقاذ سورية من نفوذ دولة الحجاز، ولو
باسم الانتداب والوصاية الفرنسية، وعد ما أخذه من السلاح والذخائر الحربية
غنيمة حربية، وكل ذلك بين ظاهر في الأقوال والمكتوبات الرسمية.