الملك وبينه أن حجته على الزحف أن جواب القبول تأخر عن موعده، وهو الساعة
الثانية عشرة من نصف الليل، وكان قد أصدر أمره للجيش بالزحف، ولا يمكنه
إيقافه بعد، وقد احتل المواقع الحصينة كمجدل عنجر، وهي تقول إنما كان الذي
تأخر وصوله إليه هو ما طلبه من التفصيل لأمر التسليم بعد أن وصل إليه البلاغ
الرسمي بقبول الشروط عاليه، وأن سبب تأخر برقية التفصيل انقطاع السلك
البرقي باستعمال الجيش الفرنسي له.
عظم الخطب على فيصل ووزرائه لما رأوا أنهم سلموا بقبول الوصاية مع
تلك الشروط المخزية ليدفعوا الاحتلال عن دمشق ويبقوا فيها متمتعين في ظل
الوصاية وخدمتها بما كانوا عليه بعد أن قالوا في عدم إمكان قبولها ما قالوا من
المبالغات، ونبذ فيصل من يقبلها بأقبح الألقاب، وعلموا أنهم خسروا كل شيء
وظهر لهم أن العقل والكياسة في التسليم أن يكون آخر ما ينفذ من الشروط تسريح
الجند، فصدر الأمر لباقي الجيش بالتوقف عن الانسحاب فوقف غربي (خان
ميسلون) ووقف الجيش الفرنسي الزاحف وراءه على بعد مرمى القنابل منه،
وجعلت هذه فرصة لاستئناف المفاوضة في إيقاف الزحف على دمشق، وتولى ذلك
ساطع بك الحصري (وزير المعارف) فسافر إلى الجنرال غورو فلم يلق نجاحا.
وفي يوم الخميس (6 ذي القعدة 22 يوليو) زار فيصل وزارة الحربية وكلم
جموع المتطوعة وحثهم على الجهاد، وكان جمع الزعماء ورؤساء الأحزاب وبلغهم
أنه أعلن الحرب رسميا، ونشر ذلك على الجرائد وصلى الجمعة في يومها في
الجامع الأموي وصعد المنبر بعد الصلاة وحث الناس على الجهاد معه لحماية الدين
والوطن، فقال كثير من الناس: إنه يريد استعادة مكانته، وكان الناس في هياج
عظيم وإقبال على التطوع وبذل كل ما يلزم للمدافعين من طعام وذخيرة، ولكن
الوقت لم يعد يتسع لعمل مفيد.
ثم ذهب فيصل مساء الجمعة إلى (الهامة) وجعلها مركز قيادته، وبلغنا أنه
أرسل أمتعته الخاصة وذخائره إلى (درعا) وأن الحكومة أرسلت أوراقها ودفاترها
إليه أيضا، ثم إنه ذهب في مساء السبت إلى محطة الكسوة بمن معه من وزرائه
وخواصه ومنهم بعض الشبان، وأرسل إليهم طعام العشاء من دار عبد الرحمن بك
اليوسف وذلك بعد انتهاء معركة خان ميسلون التي قتل فيها وزير حربيته يوسف
بك العظمة وفرقت الطيارات شمل من كان معه من العسكر النظامي، ويقال إنهم
كانوا زهاء خمسمائة جندي، وعاد في المساء جميل بك الألشي حاجبه الأول وكان
ذهب مع موسيو كوس - الذي كان ضابط الارتباط الفرنسي في دمشق، وصار بعد
الاحتلال رئيس البعثة الفرنسية للانتداب مدة من الزمن - إلى الجنرال غورو
للاتفاق معه باسم الملك على صفة دخول دمشق، وقد عاد معه في سيارته مبتهجا
مسرورا.
وفي صباح يوم الأحد (9 ذي القعدة 25 يوليو) رأيت نوري باشا السعيد
فأخبرني أن الجيش الفرنسي يدخل الشام بين الساعة 9 والدقيقة 10 ويعسكر في
(المزة) من ضواحي البلد وأن الملك يدخلها الساعة 10 ونصف، ولكنه لم يدخلها
إلا في منتصف ليلة الإثنين، وألف وزارة جديدة من الموالين أو الميالين إلى فرنسة
رئيسها علاء الدين بك الدروبي، وقد كانت عودته إلى دمشق من الغرائب، ورأيت
نوري باشا في صباح الإثنين أيضا، فأخبرني بأن القائد الفرنسي قبل الوزارة
الجديدة، وأنهم لا يعترفون بالملك، فقلت له: وكيف عدتم به إلى العاصمة؟ قال:
لم يكن هذا برأيي وإنما هو رأي جماعته الذين ورطوه وفي مقدمتهم الدكتور فلان،
وفي يوم الثلاثاء بلغته السلطة المحتلة وجوب الخروج من الشام قبل نصف الليل،
بلغني ذلك بعد العشاء، فذهبت إلى داره لوداعه على ما كان وقع من الجفاء بيننا
قبل الإنذار الفرنسي الذي لا علاقة له بالمودة الشخصية، فوجدت في الدار أفرادا
من الشرطة بلغني أنهم حرس على أثاث الدار لئلا يؤخذ شيء منها، ومكثت معه
نصف ساعة أعجبني فيها صبره وأمله، وكان ذلك في الساعة الحادية عشرة ليلا،