قلت: إنها جاءت بالأثر الطبيعي الذي يجب أن يترتب عليها، وإن كان المراد
ضده. قال: إن السير مارك سايكس صرح في خطابه بأن الحجاز قد استقل، فلا
يعقل أن يرفض استقلال سورية التام والحجاز مستقل. قلت: هذه مسألة نظرية
ذكرت مع كلام ينقضها وهو أن إنكلترة وفرنسة اتفقتا على اقتسام بلادنا، قال:
إنهم صرحوا بترك العزم على السيطرة الاستعمارية، قلت: لا معنى لهذا، وقد
اقتسمتم البلاد إلا أنكم تريدون الرفق والإحسان في إدارتها، ونحن نريد الحرية
والاستقلال الصحيح، لا الاستعمار اللين واللطيف، وذكرت له اجتماع السوريين
وما قلته فيه بشأن الدولتين وقسمتهما للبلاد وهذا التصريح (وهو به عليم) فأجاب
جوابا ذكر فيه القسمة، ثم عاد إلى حصر الكلام في سورية وفرنسة.
قال: إن قسمة البلاد بيننا وبين فرنسة يراد بها مناطق النفوذ المالي، بمعنى
أن أحدنا لا يعارض الآخر في منطقته بالأعمال المالية، وقد صرح وزراء فرنسة
رسميا بأن حكومتهم لا تنوي فتح شيء من البلاد، ولا قهر شعب على الخضوع لها،
فهي تريد مساعدة السوريين مساعدة صداقة لا قهر وتغلب. قلت: إن هذا الكلام
يقوله وزراء كل دولة من دول الفريقين المتقاتلين لإقامة الحجة على الفريق الآخر،
ولإقناع الأحرار والاشتراكيين - حتى من أممهم - بما لا يرضون الاستمرار على
الحرب بدونه؛ لأجل هذا تطلبون منا تفويض أمرنا إليكم لتقولوا أن هذه الأمة أو
الشعب يطلب منا مساعدته على تحرير نفسه ومساعدته على الاستقلال، فلا مندوحة
عن إجابة طلبه حبا في الإنسانية.
قال: ماذا كان ينبغي أن يقال في هذه المسألة ليرضيكم؟ قلت: لو كانت
الدولتان تريدان استقلال بلادنا لعرفتا كيف ترضياننا. ذلك بأن تقولا: إننا قررنا أن
تكون البلاد العربية دولة مستقلة كبلجيكة، وإننا لا نعقد الصلح إلا إذا كان هذا الشرط
مما يقرره مؤتمره، قال: إن فرنسة لم يمكنها أن تصرح بأكثر مما صرحت به،
ولكن دعنا من الأقوال إلى الأفعال، ماذا تريد أن نفعل لنثبت لكم حسن قصدنا في
بلادكم؟ إن جيشنا الآن في فلسطين، ويجوز أن يتمكن من الزحف على دمشق
وأخذ سورية، ومن المعلوم أن سورية في حالة سيئة من الفقر والضعف، وإن
كثيرا من رجالها الأحياء منفيون ومهاجرون، فهل تأمن إذا تركناها وشأنها بعد
إخراج الترك منها أن تقع في الفوضى والاختلال وزيادة الحاجة والفتن؟ قلت: إن
الكلام فيما ينبغي فعله في سورية ما جاء وقته؛ لأنكم لم تفتحوها، ولو فتحتموها
وسألتموني لطلبت رؤية البلاد ومن فيها، وحينئذ إما أن أقول اتركوها ففيها من
الرجال من يقوم بأمرها، وإما أن أطلب مساعدة مالية مؤقتة، ولكننا نرى أن ما
تخافون وقوعه من الفتن في سورية إن تركت وشأنها وقع بالفعل في روسية فهي
في فوضى لا أمن فيها على نفس ولا مال ولا مصرف (بنك) ولا معبد ولا
مصلحة، ثم أنتم لا تقبلون من ألمانية دعوى إبقاء جنودها فيها بحجة من أمثال هذه
الحجج كحفظ الأمن وإعادة النظام، مع أن البلاد الروسية متاخمة للبلاد الجرمانية،
ويخشى أن تنتقل العدوى منها إليها، فسكت وانتهت المناظرة بذلك.
***
ملخص حال السوريين بمصر في زمن الحرب
وجملة القول أن السوريين المقيمين بمصر واللاجئين إليها كانوا من الحرب
في أمر مريج، وقد عبث الأجانب بأكثر الذين يتمرسون بالسياسة منهم، فكانوا
يخدمونهم بكل ما يريدون، وقد خاننا أكثر الذين كانوا عاهدونا وأقسموا أغلظ
الأيمان على السعي لاستقلال البلاد العربية، وعدم الرضا باحتلال الأجانب لشيء
ما منها، فارتد أفراد من أشهر الاستقلاليين، وآمن أفراد من الاحتلاليين، وتذبذب
آخرون ممن كان يظن فيهم الثبات، ومنهم من كان نصف استقلالي يرى أنه ينبغي
مشايعة الأجنبي على أخذ بعض البلاد العربية في مقابلة مساعدته إيانا على استقلال
البعض الآخر غافلا عن استحالة ذلك، فلم توجد جماعة تسعى للاستقلال التام