تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومتى كانت الشعوب تقاد إلى الاستقلال كما تقاد الدواب حاملة الأثقال؟ يأخذون منا

الممالك، ويجودون علينا بالألفاظ والأسماء التي تخفف وقعها على قلوب الجاهلين

كالحماية والرعاية والاستشارة والمساعدة والانتداب وغيرها.

(وقلت) : إنني أعتقد اعتقادا يقينيا أنه إذا كان في بلادنا رجل واحد من

هؤلاء الناس أعطي حق المراقبة على حكومتها، وسمي عبد السوريين أو عبد

العرب، فإنه يكون هو السيد المالك بالفعل، وتكون جميع الأمة مستعبدة له.

الحرية والاستقلال معنى واحد يقابله العبودية، وهي حقيقة واحدة لا يتغير

معناهما بتتغيير أسمائهما. ولو أنهم اتفقوا على أن تكون بلادنا مستقلة استقلالا ما

في سياستها سائر شؤونها، وقالوا لنا اتفقوا على صفة حكمها وإدارتها لنساعدكم

عليه محتجين باتفاقكم - لكان لهذا الطلب معنى، ولكنهم اتفقوا على اغتيالها،

وأمرونا أن نتفق على طلب هذا منهم لنكون حجة على أنفسنا بأننا بخسنا أنفسنا

بأيدينا، ثم سمي الموت حياة والاستعباد استقلالا. أما والأمر كذلك فالأليق بكرامتنا

والواجب على كل منا أن يقبع في كسر بيته (أي في زمن الحرب والحكومة

العرفية) وينتظر الفرج من الله تعالى.

وإنني أختم خطابي بفكاهة تناسب المقام عسى أن يكون أسلوبها الفكاهي مخففا

لمرارة ما سمعتم من تهدد الخطر الأكبر لوطنكم: حكي أن رجلا مسلما تنصر في

جبل لبنان وذهب إلى (دير قزحيا) الشهير وانتظم في سلك رهبانه، واتفق أن

كان الرجل مترفا، وأن وجوده في الدير كان في أيام الصوم الكبير، فكان لا يجد

من الطعام إلا العدس المسلوق ونحوه من اللمج الخالي من الدسم، فاشتد به القرم

(شهوة اللحم) فسرق في ليلة دجاجة من دجاج الدير وذبحها، وشرع في سلقها بعد

أن نام الرهبان، فاتفق أن مر بعضهم وشم الرائحة من حجرته فطرق بابه وكلمه

فلم يجبه فشكاه إلى الرئيس فجاء إليه الرئيس بنفسه وسأله عما في القدر، فقال:

سمكة يا أبونا، قال: من أين جاء السمك في جنح الليل من البحر البعيد إلى هذا

الجبل؟ قال: أما قال سيدنا يسوع: بالإيمان يكون لكم كل شيء؟ قال الرئيس:

بلى، وإننا نحب أن نرى هذه السمكة التي جاءت ببركة الإيمان بسيدنا يسوع؛ لنزداد

إيمانا بمشاهدة هذه العجيبة، وكشف القدر فرأى الدجاجة، قال: هذه دجاجة يا أخ حنا

لا سمكة، قال: قل سمكة يا سيدنا. قال: كيف أقول سمكة وأنا أراها دجاجة، وهل

يغير الحقائق تغيير الأسماء؟ قال: أتقول أن تغيير الأسماء لا تأثير له يا أبانا؟ قال:

نعم لا يغير حقيقة المسمى، قال: إذا ماذا كان اسمي أنا؟ قال: محمد، قال: وما

اسمي الآن؟ قال حنا. قال: إذا كانت الأسماء لا تغير الحقائق، فأنا مسلم أشهد أن لا

إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وآكل الدجاجة وأسافر من الدير صباحا. فإذا كانت

الدجاجة انقلبت سمكة فاستعباد المقتسمين لبلادكم ينقلب استقلالا، والسلام.

فضحك الحاضرون وصفقوا تصفيقا شديدا وانصرفت، وقال لي بعض من

شيعني إلى باب الدار من أعضاء حزب الاتحاد اللبناني: إنك قد أرحتنا بكشف

المخبأ، وكانوا قد طلبوا مني الخطابة فأبيت والمسألة مرتبة.

***

محاورة مع ضابط بريطاني

بعد مرور أسبوع على هذا الاجتماع، والكثيرون من حاضريه يتوقعون

اعتقالي فيه، ألممت بفندق سافواي مقر السلطة العسكرية البريطانية لأجل مقالة

للمنار تراقب في المكتب العربي منه، ودار بيني وبين ضابط بريطاني في هذا

المكتب محاورة كان هو السائل فيها وأنا المجيب، ألخصها بما يلي:

(قال) : هل اطلعت على ما دار بباريس بشأن سورية وخطبة السير مارك

سايكس؟ قلت: نعم (قال) ما رأيك فيها؟ (قلت) : إنها تسوء السوريين جدا

ولا سيما المسلمين، وعللت له ذلك بما هو معلوم بالضرورة، قال: كان الغرض

من تلك الخطب والتصريحات إرضاء السوريين، فهل جاءت بضد المراد منها؟

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٠٦