تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

موضوع خطابه وردي عليه في ذلك الاحتفال) ثم قلت: إن صديقنا الخطيب المفوه

قال: إنه قد اضطر إلى مخاطبتكم بصراحة غير معتادة، وأنا أقول: إنني مضطر

إلى مخاطبتكم بما هو أصرح مما خاطبكم؛ لأنه لا ينبغي أن يكتم عنكم شيء من

أمر وطنكم الذي تعدون أرقى أهله علما واختبارا كما قلت في تعليل ردي على

صديقنا البستاني في ذلك الاحتفال المشهور.

قال الخطيب: إن الدولتين الحليفتين قد صرحتا بلسان مندوبين رسميين لها

بأنهما لا تستطيعان مساعدتنا في مؤتمر الصلح إذا بقي العدو في بلادنا إلا إذا اتفق

زعماؤنا في أوربة ومصر وأمريكة على الأمرين اللذين ذكرهما تبعا للسير مارك

سايكس أحد ذينك المندوبين، وهذا ما كتمه الخطيب عنكم.

أما أنا فأقول لكم: إن الدولتين الحليفتين قد اتفقتا على قسمة بلادكم بينهما

لاستعبادكم باستعمارها، فقد جاءتني جريدة المستقبل الباريسية منذ ثلاث، فاطلعت

فيها على تفصيل هذا الاتفاق (ولخصته لهم كما نشرته بعد في الجزء الأول من

المجلد الحادي والعشرين) فقاطعني الدكتور نمر قائلا: إنهم صرحوا بأنهم لا

يعاملوننا بالضغط والتوسع الاستعماري، ووافقه الدكتور شهبندر، فقلت للدكتور

نمر: لا تقاطعني فإني ما قاطعتك، قال: أريد تفسير العبارة وإيضاحها كما قيلت،

قلت أخر ما تريد أن تقوله إلى أن أتم كلامي، قال: سحبت كلامي، فمضيت في

كلامي، وهذا ملخصه:

إن الترك ضعفاء وجاهلون مثلنا، فلا يستطيعون أن يستعبدونا إذا نحن تنبهنا

لحقوقنا، وأما إنكلترة وفرنسة فهما أقوى منا في كل شيء، فلا نستطيع أن نتفصى

من عقالهما إذا هما استولتا علينا: هم أقوى منا في العلم، هم أقوى منا في المال،

هم أقوى منا في السياسة، هم أقوى منا في الحرب. وذكرت الجيوش والسلاح

والأساطيل البحرية والجوية، فأنى لنا أن نتفصى من سلطانهم القاهر؟

نعم قد قالوا: إنهم لا يريدون أن يثقلوا علينا بالسيطرة الاستعمارية، وأن

فرنسة تقود السوريين إلى الحياة والاستقلال كما تفعل بريطانية في العراق، ولعل

مرادهم أنهم يجعلون لنا أميرا منا، وكثيرا من المستخدمين، وهذا تصريح بأنهم

يريدون استعمار بلادنا والسيادة علينا، وإنما يهونون علينا الخطب بأنه استعمار

هين لين لا قاس شديد، ونحن نريد أن نكون أحرارا مستقلين، لا عبيدا مسودين،

سواء علينا أكان السيد رحيما بعبيده أم لا. على أن هذه الطريقة اللينة في

الاستعمار هي أمثل الطرق التي اهتدوا إليها بالتجربة، ولكنها أمثل وخير لهم لا

للشعوب التي يسودونها، فإنها تخدر أعصاب الجماهير، وتخدع عامة الأمة بأن

حكامها منها، ليكونوا خاضعين لها راضين بأحكامها، وبذلك يتعذر على الزعماء

العارفين الدفاع عنها والمطالبة بحقوقها، لأنهم لقلتهم تسهل مراقبتهم وإنزال العقاب

بهم، إذا لم تكن وراءهم أمة تؤيدهم. قال ألفونس اسكيروس في كتابه أميل القرن

التاسع عشر: إن شر الحكومات الحكومة المستبدة اللينة، وعلل ذلك بنحو مما أشرنا

من تخديرها لأعصاب الأمة حتى لا يبقى لها مجال للفكر في الخروج مما هي فيه،

والشواهد على هذا في مستعمراتهم في الشرق والغرب ظاهرة جلية كتونس

والجزائر والولايات المستقلة وغير المستقلة في الهند. إنني رأيت أهل الولايات

الهندية التي يسمونها مستقلة أبعد من غيرها عن فهم معنى الاستقلال والتفكير فيه، دع

الاستعداد له والسعي إليه، وعلمت أن رؤساء حكوماتها أطوع للإنكليز من ظلهم،

وأشد قبولا لكل ما يقترح عليهم، وأما الولايات التي يدير أمرها الإنكليز بأنفسهم فهي

التي تناضل وتنتقد وترجو الاستقلال، وتستعد له وتعتقد أن ستناله في يوم من الأيام.

ومن عجائب السخرية أن هؤلاء الناس يدعون تحرير الأمم والشعوب، وأنهم

يريدون باقتسام بلادنا قودنا إلى الحرية والاستقلال والمستقبل الزاهر الجميل!

يسمون الحقائق بأسماء الأضداد، وما أدري بأي مقود أو رسن يريدون أن يقودونا إلى الاستقلال الذي لا نصل إليه بقيادتهم إلا بعد الموت والورود على النار؟

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٠٥