لجودة حفظه لكتب السنة، وحسن استحضاره لها، ولا سيما في شرحه للبخاري
الذي كان يتلقاه عنه الحفاظ والفقهاء في الجامع الأزهر تلقي بحث واستدلال.
وكذلك فقهاء الحنابلة جزموا بكراهة الأنين في المرض في كتبهم، قال الفقيه ابن
مفلح في كتابه الفروع: (فصل) يكره الأنين في المرض إلخ، ثم قال في فصل
بعده: وكانوا يكرهون أنين المريض؛ لأنه يترجم عن الشكوى. ثم ذكر عن عبد
الله ابن الإمام أحمد أنه نقل في أنين المريض: أرجو أن لا يكون شكوى ولكنه
اشتكاء إلى الله اه. وذكر ذلك السفاريني في أواخر الجزء الأول من شرح
منظومة الآداب، ثم قال:
(قلت) : أنين المريض تارة يكون عن تبرم وتضجر فيكره، وتارة يكون
عن تسخط بالمقدور فيحرم فيما يظهر، وتارة يكون لأجل ما يجد، ويجد به نوع
استراحة بقطع النظر عن التضجر والتبرم فيباح، وتارة يكون عن ذل بين يدي
رب العالمين وانكسار، وخضوع وافتقار، ومسكنة واحتقار، مع حسم مادة العون
إلا من بابه، والشفاء إلا من عنده، والعافية إلا من كرمه، فهذا لا يكره فيما يظهر
بل يندب إليه، وإليه الإشارة في حديث، وإن لم يثبت (المريض أنينه تسبيح،
وصياحه تكبير، ونفسه صدقة، ونومه عبادة، ونقله من جنب إلى جنب جهاد في
سبيل الله) قال الحافظ ابن حجر: ليس بثابت والله أعلم اه.
فأنت ترى أن حديث عائشة الذي عزاه السيوطي إلى الرافعي أمثل ما يستدل به
على الحكم الصحيح في هذه المسألة؛ لأنه نص فيها، فلو كان له أصل لذكروه، ولو
مع التصريح بعدم ثبوته، كما قال الحافظ في حديث المريض المذكور آنفا.
(5) وأما الحديث الثاني فقد أورده المعترض بقوله: وروى الحاكم في
مستدركه حديثا يذكر فيه أن (أه) من أسمائه تعالى يلهمه الله تعالى لمن أحب من
عباده؛ لأنه سر من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا المقربون من المؤمنين.
ونقول في هذا الحديث كما قلنا فيما قبله: الظاهر أنه نقله عن بعض كتب
أهل الطريق الذين لا يعتد بنقلهم، وهو لم يذكر لفظه، ولا اسم الراوي له من
الصحابة، ونحن لم نر كلمة (أه) في النهاية، ولا مجمع البحار، ولا تكملته، ولا
في غيرهما من معاجم اللغة العامة الشاملة في الكتاب والسنة ولغيره من كلام العرب،
ونزيد على ذلك أن هذه العبارة من الكلام المألوف عند الصوفية وليست من أساليب
كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولا كلام العرب في عصره، وكيف يصح أن يكون
سرا يعرف بالإلهام ويختص بالمقربين مع التصريح به؟ على أنه غير معروف إلا
عند غوغاء المنتسبين إلى الطريق، فلم يرد عن أحد من أكابر الصحابة والتابعين،
ولا الأئمة المجتهدين، ولا غيرهم من أكابر الفقهاء أو المتكلمين، وأئمة الصوفية
العارفين.
***
الأقوال في اسم الله الأعظم
(6) ولما كانت الأقوال التي عزاها إلى العلماء في إثبات (اسم الصدر)
واردة في بيان كونه هو اسم الله الأعظم ننقل ما أحصاه الحافظ ابن حجر من
الأقوال في الاسم الأعظم عمن يقول به، فإن بعض العلماء أنكره كما قال الحافظ،
وهذا نص ما قاله في فتح الباري بعد أن أطال الكلام في أسماء الله الحسنى:
(تكميل) وإذ قد جرى ذكر الاسم الأعظم في هذه المباحث فليقع الإلمام بشيء من
الكلام عليه، وقد أنكره قوم كابن أبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري
وجماعة بعدهما كأبي حاتم بن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني فقالوا: لا يجوز
تفضيل بعض الأسماء على بعض. ونسب ذلك بعضهم لمالك؛ لكراهيته أن تعاد
سورة أو تردد دون غيرها من السور؛ لئلا يظن أن بعض القرآن أفضل من بعض،
فيؤذن ذلك باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل، وحملوا ما ورد من ذلك على أن
المراد بالأعظم العظيم، وأن أسماء الله كلها عظيمة، وعبارة أبي جعفر الطبري:
اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم
يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول: كل اسم من