تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا يقوم كل خصيص بفن بشرح ما يناسب فنه من أحاديث الكتاب على شرط أن

يكون متشبعا بروح الدين، عليما بشؤون العصر الحاضر، خبيرا بالأمور المحدثة

والمعاملات المستجدة.

ويوجد كتابان جليلان يسد كل منهما حاجة طالما تاقت النفوس إلى سدها:

أحدهما: المنتقى لابن تيمية مع شرحه نيل الأوطار للشوكاني، وثانيهما: الترغيب

والترهيب للمنذري، فالأول يغني كل من رام الوقوف على أحاديث الأحكام

وشرحها شرحا وافيا مع ذكر أقوال العلماء فيها، والثاني يغني الوعاظ المرشدين،

ويهبهم مادة واسعة، ليس فيها من شبهة ولا يعتري صحتها قترة، وحري بالفقهاء

والمشتغلين بالقانون أن يدرسوا الأول دراسة وافية ويتعرفوه معرفة كاملة، وجميل

بالناصح الأمين أن يجعل الثاني أسوته في إرشاده، وأن يحفظ من أحاديثه ما يعينه

على القيام بعمله ويسهل عليه أداء مهمته.

***

ماذا نعمل لنشر السنة؟

كل عمل يقوم به جماعة متماسكة خليق أن يبقى، ويظهر له في الناس أثر

بين، وأما ما يقوم به الأفراد، فإنه يبقى ما بقي العزم فيهم ماضيا، وعامل

الإخلاص في نفوسهم قائما، ثم هو بعد ذلك ضئيل الأثر قليل الجدوى، وماذا تبلغ

نفس واحدة من نفوس المسلمين، الذين تجاوز عددهم مئات الملايين؟ فإذا ما رمنا

للسنة نشرا،ولسلطانها بسطا، ولعبيرها إذاعة، فعلينا أن نكون جمعية دينية يكون

أفرادها من خلاصة المعتصمين بالسنة، والمتشبعين بروح هذا الدين، ويكون مركزها

في صرة البلاد الإسلامية وقطب الرحى منها - أعني بلادنا المصرية - ويكون لتلك

الجمعية فروع في الممالك الإسلامية، ويكون للفروع أغصان في الولايات

الصغيرة والمدن الكبيرة، ويكون شعارها قوله تعالى:] واعتصموا بحبل الله

جميعا ولا تفرقوا [، (آل عمران: 103) وقوله - صلى الله عليه وسلم -:

(شيئان لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله) .

وإن هذه الجمعية يقوم صرحها على أمور أربعة: إخلاص، وعزم، وحكمة،

وصبر. ومتى وجدت هذه الأمور سهل تكوين ثروة لها تكون مادتها وعضدها في نشر

مبادئها، وأرى أن تكون الثروة من اشتراكات يدفعها الأعضاء في الجمعية وفروعها

وأغصانها، ومما يجود به أهل البر والإحسان، وإذا سعى الأعضاء وضموا إلى

جانبهم بعض الملوك أو الأمراء - كان ذلك خير مشجع لهم ومتم لعملهم.

وعلى الجمعية أن تقوم بطبع كتب الحديث القيمة مقدمة الأهم على المهم،

وعلى كل عضو أن يقوم بتعليم العامة والخاصة وإرشادهم إلى ينبوع هذا الدين

كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا يقصر إرشاده على الوعظ في

المساجد، بل يعممه في الأندية المختلفة والمجتمعات العامة ودور العلم ومدارسه،

فإن في هذه نفوسا أحوج إلى الموعظة وأجدر بالإرشاد من الركع السجود.

وليكن للجمعية حرص بالغ على أن تضم إليها المدرسين والمعلمين والخطباء

والوعاظ، فإن أولئك إذا رشدوا هدوا كثيرين، فيذيع إيثار السنة بين الناس، ويكثر

أنصارها، حتى يكونوا أمة بيمينها القرآن وبيسارها السنة، وإنهما لسيفان ماضيان

يكتسحان الإلحاد، ويقضيان على الفساد، ويبصران طريق الرشاد، وينتاشان

المسلمين من الضعف والذلة، إلى حيث المنعة والعزة.

فاللهم بصرنا بديننا، واهدنا سبيل سلفنا، واجعل عملنا خالصا لوجهك، لا

نبغي به إلا خدمة دينك، ورفعة سنة نبيك صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله

وصحبه الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلام على المرسلين

والحمد لله رب العالمين.

تم تأليف هذه الرسالة ليلة الجمعة 3 جمادى الآخرة سنة 1339 ه 11 فبراير سنة 1921م

... ... ... ... ... ... ... ... محمد عبد العزيز الخولي ... ...

(المنار)

حمد الله عمل صديقنا مؤلف هذه هذه الرسالة، وأجزل ثوابه، وأحسن

مآبه، وحشرنا وإياه في زمرة أنصار السنة، وإن جميع الأعمال التي اقترح تأليف

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٦٨