تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحديث قسطه من العناية في هذا العصر مثل إخواننا مسلمي الهند، أولئك الذين وجد

بينهم حفاظ للسنة، ودارسون لها على نحو ما كانت تدرس في القرن الثالث حرية في

الفهم ونظر في الأسانيد، كما طبعوا كثيرا من كتبها النفيسة التي كادت تذهب بها

يد الإهمال، وتقضي عليها غير الزمان، وإن أساس تلك النهضة في البلاد الهندية

أفذاذ أجلاء تمخضت بهم العصور الحديثة، وانتهجوا في تحصيل العلوم نهج السلف،

فنبه شأنهم، وعلا أمرهم، وذاع صيتهم، وتكونت جمعيات سلكت سبيلهم وعملت

على نشر مبادئهم، فكان لها ذلك الأثر الصالح، والسبق الواضح، ومن أشهر هؤلاء

الأعلام ولي الله الدهلوي صاحب التصانيف في اللغتين العربية والفارسية، وأشهرها

كتاب حجة الله البالغة، والسيد حسن صديق خان ملك بهوبال صاحب التصانيف

الكثيرة أيضا، وقد سبق ذكرهما في هذه الرسالة، ومن حسنات الثاني طبع فتح

الباري في شرح البخاري للحافظ ابن حجر، ونيل الأوطار للإمام الشوكاني، وتفسير

الحافظ ابن كثير مع تفسيره فتح البيان، طبعت هذه الكتب على نفقته في المطبعة

الأميرية بمصر، فكانت من أنجح وسائل إحياء السنة، وفي الهند الآن طائفة كبيرة

تهتدي بالسنة في كل أمور الدين، ولا تقلد أحدا من الفقهاء ولا المتكلمين، وهي

طائفة المحدثين، وقد كان لعلم السنة سوق رائجة في اليمن بعد كساد سوقها بمصر بعد

القرن العاشر.

وإن من آكد الأمور على المسلمين وأحقها بالرعاية وأولاها بالعناية العمل

على إحياء السنة ونشرها بين المسلمين، فإنها داعية إلى التوحيد في العمل

والاعتقاد، ومزيلة ما بين الفرق المختلفة من الشحناء والعداء؛ لأنها رجوع إلى

أصل الدين، وكل يقر به وينتمي إليه، وفي ذلك تقوية شوكتنا وإنهاضنا من كبوتنا

التي طال أمدها واستفحل أمرها.

***

كيف نقرب إلى الناس تحصيل السنة؟

بينا تحت عنوان: الجمع بين الكتب الستة، أن أبا السعادات مبارك بن محمد

المعروف بابن الأثير الجزري جمع بين الأصول الستة التي بينا فيما سلف أمرها،

وأسمى كتابه جامع الأصول لأحاديث الرسول، وتكلمنا على هذا الجامع بما يغنينا

عن إعادته هنا، وذكرنا إذ ذاك أن لأبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزبادي زوائد

عليه سماها تسهيل الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول، فلو أننا

جمعنا بين الجامع وزوائده على نحو ما جمع بين الكتب الستة، وعقبنا كل حديث

ببيان درجته وذكر من طعن فيهم من رجال سنده، وجعلنا للكتاب ذيلا يذكر فيه

أولئك المطعون فيهم مرتبة أسماؤهم حسب الحروف الأبجدية، مشفوعا كل شخص

بما قاله أئمة النقد فيه من جرح وتعديل على نحو ما فعل المنذري في كتابه

الترغيب والترهيب.

لو أننا فعلنا ذلك لكنا مقربين إلى الناس تحصيل السنة، وجاعليها على طرف

الثمام، يتناولونها من كتب، ويقتبسون منها بلا عناء ولا إجهاد فكر ولا كثرة بحث.

وإن هذا العمل الجليل وذلك القاموس الكبير يستطيع أن يقوم به فرد مارس

الحديث ممارسة طويلة، وكان له بفنونه خبرة مع حكمة وعزم وأناة وصبر.

وينبغي أن يقوم بطبعه شركة تبغي بعملها فضلا من الله ورضوانا حتى تنفق

عليه بسخاء، وتبرزه في خير حلة وأجمل جلباب.

ولو شفع ذلك بشرح واسع يلائم روح العصر الحاضر يقوم به جماعة؛ كل فيما

نبغ فيه وبذل حياته في إتقانه، لكان ذلك من خير الأمور وأجل الخدمات.

ولا أظن فردا يقدر على ذلك كله مع الإحسان؛ لأن السنة فيها طب وأحكام

وآداب وأخلاق وأحاديث صفات، وكل هذي فروع واسعة لا يتضلع في واحد منها

إلا من بذل فيه جهده، وحبس على تعلمه نفسه، فعلى الطبيب أن يشرح ما ورد

في الطب، وحري بالفقيه الحاذق أن يبين أحاديث الأحكام، وجدير بالواعظ الأديب

أن يوكل إليه الكتابة على أحاديث الآداب والأخلاق والمواعظ والرقائق، وعلى

المتكلم أن يوضح أحاديث الصفات سالكا طريقة أهل السنة من السلف الصالح.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٦٧