وسلم - لم يخرج من هذه الدار حتى أكمل الله تعالى لنا على يديه الدين، وأتم لنا
النعمة، وذكر نص آية المائدة التي أنزلت عليه صلوات الله وسلامه في يوم عرفة
من حجة الوداع، ولعله إنما قال (على يديه) ولم يقل: على لسانه. مع أن الدين
تبليغ عن الله تعالى باللسان؛ ليفيد أنه - صلى الله عليه وسلم - بين ما نزله الله عليه
بالفعل والحكم والتنفيذ، كما بلغه بالقول، وعبارته تدل على حصر هذا الإكمال به -
صلى الله عليه وسلم - دون غيره من الصحابة وعلماء التابعين ومن بعدهم، فليس
قول أحد منهم ولا فعله دينا ولا حجة في الدين عند أهل السنة.
وقد بنى الشيخ - أيد الله به السنة - على هذا البطلان احتجاج أصحاب هذه
البدعة بأقوال شيوخهم وأفعالهم فقال: إنه ليس لهم في ذلك برهان في الدنيا ولا
منجاة من عذاب الله تعالى في الآخرة، ولما كان سبب افتتان الكثير من الناس ببدع
المتصوفة الاغترار بما كان عليه بعض شيوخهم من العرفان والصلاح، وما ينقل
عن بعض أفرادهم من معرفة الحقائق بالكشف، كشف الشيخ هذه الشبهة بكلام
منقول عن بعض علماء الصوفية المشهورين مبني على ذلك الأساس الأعظم للدين،
وهو قولهم: كل ما لم يستند إلى الكتاب والسنة من كشف وغيره فهو باطل.
وتسميتهم هذا الكشف شيطانيا، وقولهم: إنه لا يجوز العمل بالكشف ولا الإلهام
والمشاهدة إلا بعد عرضه على الكتاب والسنة. وتصريحهم بأن الولي غير معصوم؛
أي: لا في كشفه ولا في غيره، وإنما نقل هذا القول عن علماء الصوفية؛ لأن غير
العلماء لا يعتد بقولهم ولا نقلهم، فمثل علماء الصوفية في ذلك غيرهم من
المتكلمين والفقهاء، فالدين قد أكمله الله تعالى، وهو محصور في الكتاب العزيز
والسنة النبوية الثابتة، ولا يوجد إجماع صحيح ولا قياس صحيح إلا وهو مستند
إليهما، وإنما كلام العلماء الذي يعتد به هو بيان الأصلين وما استنبط منهما واستند
إليهما من قياس وإجماع، على ما في القياس والإجماع من خلاف معروف في علم
أصول الفقه.
وقد استدل الشيخ - أيد الله حجته - على ما ذكر من أساس الدين بالسنة
الصحيحة، كما استدل بالكتاب العزيز واكتفى بأشهر الأحاديث وأصرحها في
الموضوع، حديث (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وهو متفق عليه،
وحديث (أما بعد فإن أحسن الحديث كتاب الله) إلخ، وهو متفق عليه أيضا،
وإن لم يخرجه البخاري إلا موقوفا على عبد الله بن مسعود، ورواهما غير الشيخين
كما تقدم.
بعد بيان هذه الأصول الأساسية في الدين، أشار الشيخ في سياق بيان بدعة ما
يسمونه (اسم الصدر) إلى قسمي البدعة اللذين أسهب الإمام الشاطبي في الكلام
عليهما بكتابه الاعتصام، وهما البدعة الحقيقية، كذكر الصدر الذي ليس له أصل في
الكتاب ولا في السنة، ولا كان موجودا في صدر الإسلام، بل هو إحداث وابتداع
محض، والبدعة الإضافية، وهي ما كان له أصل، ولكن الابتداع فيه بالعوارض
والصفات كالعدد والتوقيت والاجتماع والصفة كصلاة الرغائب في رجب، وصلاة
شعبان، وقد قال فيهما الإمام النووي في المنهاج: وصلاة رجب وشعبان بدعتان
قبيحتان مذمومتان. ومن هذا القبيل جميع الأوراد التي جعلوها من شعائر الدين
بالتوقيت والاجتماع ورفع الصوت وغير ذلك.
قال الشيخ - نفع الله به -: (فثبت بذلك بطلان عمل هؤلاء العوام الذين
انتشروا في المدن والقرى يجمعون الناس ويعقدون المجالس على ذلك، ويتخذون
ذلك وردا موقوتا زاعمين أنهم يتقربون بذلك إلى الله، وفي ذلك إضلال للعامة
ونشر لسنة سيئة فيهم؛ لأنه تعبد بما لم يتعبدنا الله به وتسمية لله بغير أسمائه،
نعوذ بالله من فعل ذلك، أو الإعانة عليه أو السكوت عنه) اه.
وقد عبر هنا عن البدعة بالسنة السيئة باعتبار أنها تتبع وتجعل كالمشروع،
ويقتدي بعض الناس فيها ببعض، وللإشارة إلى حديث جرير بن عبد الله البجلي في