تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طريقك أيها الداعية

وأما العزلة؛ فإنما تكون في المجتمع الجاهلي عزلة شعورية فقط، ولا يمكن أن تتم العزلة العملية بادئ ذي بدء بالنسبة للدعوة.

وأما العزلة العملية؛ فإنها لا تتم إلابعد قيام المجتمع المسلم الذي تهيمن عليه شريعة الله, وينفذ فيه حكمه وسلطانه, وهنا تكون المفاصلة العملية.

ولو فكرت الدعوة في مراحلها الأولى أن تعتزل المجتمع الجاهلي, وتعيش في الصحاري والكهوف، فإن هذا يؤدي إلى تجمد الدعوة, وبعدها عن الناس الذين يمثلون المادة الخام للدعوة الإسلامية, ولهذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي في مكة ولم يسكن في كهف من الكهوف في جبال مكة, ولم يترك مكة لطواغيت الكفر, بل بقي يبلغ الدعوة ويصلي صلاته في فناء الكعبة التي يحيط بها وبداخلها 360 صنما.

لكن على الداعية وهو يخوض معركته مع الجاهلية؛ أن يستصحب في أعماقه معرفة عظمة الله وقدرته, ويشعر تجاه الناس الذي يؤذونه بالشفقة والرحمة, وما أصدقه من تعبير؛ "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

إن الخروج من المجتمع الجاهلي, والفرار منه؛ أمر أسهل على الداعية من القضاء بين عتاة الكفر الذين قدت قلوبهم من صخر.

روى الإمام أحمد عن ربيعة بن عباد: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها الناس! قولوا لا إله إلآ الله تفلحوا"، والناس يجتمعون عليه, ووراءه رجل أحول ذو غديرتين - جديلتين - يقول: "إنه صابيء، كاذب", يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه؟ فقالوا: هذا عمه أبو لهب) [40].

وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت, وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس, فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه, فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه) , قال: (فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض, وأنا قائم أنظر, لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه, حتى انطلق إنسان إلى فاطمة, فجاءت، وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تسبهم, فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم, وكان إذا دعا دعا ثلاثا وإذا سأل سأل ثلاثا، ثم قال: "اللهم عليك بقريش" - ثلاث مرات - فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك, وخافوا دعوته، ثم قال: "اللهم عليك بأبي جهل بن هشام, وعتبه بن ربيعة, وشيبة بن ربيعة, والوليد بن عقبة وأميه بن خلف, وعقبة بن أبي معيط"، وذكر السابع لم أحفظه, فوالذي بعث محمدا بالحق لقد رأيت الذي سمى صرعى يوم بدر, ثم سحبوا إلى القليب - قليب بدر -) [41].

وعلى هذا فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، بل بقي صامدا أمام الجاهلية، يحطم عقائدها بالقرآن، ويدمر كيانها بالتنظيم الذي يأخذ أفراده من هذا الوسط الجاهلي الصاخب.

يقول الأستاذ سيد قطب في مقدمة سورة الرعد [5/ 61]: (إن الجيل يعيش في جاهلية كالتي نزل القرآن ليواجهها, بينما هم لا يتحركون بهذا القرآن في مواجهة الجاهلية كما كان الذين تنزل عليهم القرآن أول مرة يتحركون ... وبدون هذه الحركة لم يعد الناس يدركون من أسرار هذا القرآن شيئا، فهذا القرآن لا يدر ك أسراره قاعد, ولا يعلم مدلولاته إلا إنسان يؤمن به, ويتحرك به في وجه الجاهلية لتحقيق مدلوله ووجهته).

ولذا فقد إنماعت وذبلت في حس الجيل وتصوره؛ مدلولات القرآن وأبعاده الحقيقية, وانحرفت في حسه مصطلحاته عن معانيها.

[40] مختصر ابن كثير للصابوني (3/ 687).

[41] الجواب الصحيح لمن بد ل دين المسيح لابن تيمية ص (216) , أنظر مختصر مسلم (2/ 73) رقم الحديث (1167).

حكم العمل في جماعة · الصفحة ٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حكم العمل في جماعةص ٧