تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتاوى السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إن المؤمن ليقف واجما إزاء فتاوى الفقهاء التي تضع هذا الركن في مكانه الصحيح من الإسلام, وإن القلب ليرتاح إلى هذه الفتاوى، لأنه إن ضاع هذا الركن فقد ضاع الإسلام كله, لإنه الحارس الأمين لحصن هذا الدين, وعندما يغيب الحرس تدك الثغور, ويهلك العباد, وتضيع البلاد, ويعم الفساد في الأرض, وصدق الله العظيم: ﴿ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾.

أي إن من فضل الله ذلك الناموس الإلهي بإبقاء المدافعة بين الأبرار والفجار, وقيام الحرب بينهم، بدون ذلك فإن الباطل يعم الأرض وتفسد البشرية.

وكذلك فإن الإنسان يتضاءل وهو يرى تقاعسه إزاء هذا الواجب العظيم, ويدرك القلب من أعماقه التقصير الكبير حيال هذا الأمر.

وإنني أغمض عيني ليتراءى لي شخوص الذي حموا هذا الدين في حقبات التاريخ المتطاولة, ويرى رخص الحياة لديهم ترى من بعيد إبراهيم عليه السلام, وكذلك الأنبياء من بعده عليهم الصلاة والسلام, وأصحاب الأخدود, والسحرة, وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء قائدهم, ثم مرورا بابن حنبل, وابن تيمية, وسيد قطب, ومروان حديد، وعبد العزيز البدري.

لقد رتب الرسول صلى الله عليه وسلم مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحديث: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطيع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [27].

فلا يجوز استعمال اللسان حيث أمكن السنان لإزالة المنكر, ولا يجوز الإنكار القلبي حيث أمكن الزجر والتوبيخ والتذكير بالله.

قال الحنفية [28]: (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهما حالان:

حال يمكن فيها تغيير المنكر وإزالته؛ ففرض على من أمكنه ذلك بيده أن يزيله.

وإزالته باليد تكون على وجوه.

منها؛ أن لا يمكن إزالته إلا بالسيف, وأن يأتي على نفس فاعل المنكر، فعليه أن يفعل ذلك, كمن رأى رجلا قصده أو قصد غيره بقتله, أو بأخذ ماله أو قصد الزنى بامرأة أو نحو ذلك, وعلم أنه لا ينتهي إن أنكره بالقول, أو قاتله بما دون السلاح، فعليه أن يقتله لقوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده"، فإذا لم يمكنه تغييره بيده إلا بقتل المقيم على هذا المنكر، فعليه أن يقتله فرضا عليه، وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بيده ودفعه عنه بغير سلاح؛ انتهى عنه، لم يجز له الإقدام على قتله, وإن لم يمكن إزالة هذا المنكر إلا بأن يقدم عليه بالقتل من غير إنذار منه له، فعليه أن يقتله.

ذكر ابن رستم عن محمد بن الحسن في رجل غصب متاع رجل؟: "وسعك قتله حتى تستنقذ المتاع وترده إلى صاحبه".

قال أبو حنيفة في السارق إذا أخذ المتاع؟: "وسعك أن تتبعه حتى تقتله، إن لم يرد المتاع".

وقال في اللص الذي ينقب البيوت؟: "يسعك قتله".

وقال أبو حنيفة [29] في رجل يريد قلع سنك، قال: "فلك أن تقتله إذا كنت في موضع لا يعينك عليه الناس".

وهذا الذي ذكرناه يدل عليه قوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾.

وكذلك قلنا في أصحاب الضرائب والمكوس التي يأخذونها من أمتعة الناس؛ أن دماءهم مباحة, وواجب على المسلمين قتلهم, ولكل واحد من الناس أن يقتل من قدر عليه منهم، من غير إنذار منه له، ولا التقدم إليه بالقول).

قال الجصاص: (وكذلك حكم سائر من كان مقيما على شيء من المعاصي الموبقات، مصرا عليها، مجاهرا بها، فحكمه حكم من ذكرنا في وجوب النكير عليهم، بما أمكن, وتغير ما هم عليه بيده, فإن لم يستطع فينكر بلسانه) [30].

وعلى هذا فليس خرق النظام في المجتمع المسلم عمل سهل، يقترفه مرتكبه، فيجد الأيادي التي تربت عليها.

إن انتهاك الحرمات, وتعدي حدود الله؛ أمر يهدد الحياة الإجتماعية, ويقطع حبل الأمن فيها, ومن هنا فإن لم تعالج بدواء ناجع فإن الأمور تتميع وتضيع القيم, ويسود الطغاة, ولقد صور رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع تصويرا دقيقا، بحيث لو سمح لواحد أن يعيث فيه فسادا فإن المجتمع كله يتعرض للإنهيار والدمار.

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها؛ كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها, وبعضهم أسفلها, وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا, فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) [31].

قول الله عزوجل: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾.

هذه الآية نزلت في اليهود, وأهل الكتاب الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة, وحرفوها حتى يصدوا الناس عن دين الله.

إلآ أن القاعدة الأصولية؛ "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، فلفظ الآية عام في كل من كتم دين الله وكتابه وشرعته.

وقد قال ابن عباس رضي الله عنه كلمة الفصل في مثل هذه الآيات, وتعتبر القاعدة الأساسية في مثل هذا الموضوع: (كل ما ذم الله أهل الكتاب عليه، فالمسلمون محذرون من مثله) [32].

يقول الفخر الرازي [33]: (دلت الآية على تحريم الكتمان لكل علم في باب الدين يجب إظهاره).

يقول القرطبي [34]: (هذه الآية وإن كانت في الأحبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك بسبب دنيا يصيبها).

فعلى الذين يقعدون عن العمل لدين الله, لا يحركون ساكنا، ولا يأمرون بالمعروف, ولا ينهون عن منكر؛ أن يعلموا مصيرهم الذي ينتظرهم عند خالقهم الذي لا يكلمهم ولا يزكيهم وأعدلهم عذابا أليما.

قوله عزوجل: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه, فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون﴾.

هذه الآية كسابقتها، تتكلم عن أهل الكتاب, إلا أن المفسرين يرون أنها عامة لهم ولغيرهم, والقرآن أشرف الكتب.

قال الحسن وقتاده: (هي في كل من أوتي علم شيء من الكتاب, فمن علم شيئا فليعلمه, وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة) [35].

وقال علي بن أبي طالب: (ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلموا، حتى أخذ على العلماء أن يعلموا) [36].

وقال أبو هريرة: (لو لا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء)، ثم تلا هذه الآية [37].

وقال محمد بن كعب: (لا يحل لعالم أن يسكت على علمه, ولا لجاهل أن يسكت على جهله) [38].

حُكي أن الحجاج أرسل إلى الحسن وقال: ما الذي بلغني عنك? فقال: (ما كل الذي بلغك عني قلته، ولا كل ما قلته بلغك)، قال: أنت الذي قلت إن النفاق كان مقموعا فأصبح قد تعمم وتقلد سيفا؟ فقال: (نعم) , فقال: وما الذي حملك على هذا ونحن نكرهه? قال: (لأن الله أخذ مثياق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه) [39].

وعلى هذا فهذه الآية وما قبلها موجبة لإظهار علوم الدين وتبينه للناس، سواء من جهة النص أو جهة المدلول – المعنى - وما يستنبط من النصوص من أحكام.

ولا تقبل توبة كاتم العلم إلا بالتبيين، بدليل قول الله عزوجل: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم﴾، فبينت الآية؛ أن توبة كاتم العلم تقبل بشرط واحد، إذا بين ما علمه الله إياه من الهدى, ولفظ "الهدى" شامل لكل العقيدة والشريعة، سواء جاءت في القرآن أو السنة.

وبيان الحق اليوم؛ يحتاج إلى جهود ضخمة ينوء لحملها الفرد الواحد, ومن هنا لا بد من التعاون على إظهاره بأن تتكاتف جهود المخلصين, وتنظم طاقتهم, وينسق بين أعمالهم حتى تؤتي ثمارها.

فعلى القاعدين عن العمل لدين الله؛ أن يحذروا, ويشفقوا على أنفسهم من أن تمسهم لعنة الله, والملائكة ودواب الأرض وهوامها, عليهم أن يبادروا بمحاولة إظهار الخير, وأن يستبقوا الخيرات, ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر حتى ينالوا ثواب الصادقين المجاهدين - إن شاء الله –

[27] رواه مسلم, أنظر رياض الصالحين (103).

[28] هذه الفتاوى أحكام القرآن للجصاص (2/ 317, 318).

[29] أحكام القرآن للجاص (2/ 318).

[30] أحكام القرآن للجاص (2/ 318).

[31] رواه البخاري أنظر: رياض الصالحين، باب في الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر، ص (104) ومعنى القائم في حدود الله: الذب عن المحارم الواقع فيها: مرتكبها حدود الله ما نهي الله عنه, استهموا: اقترعوا, رواه البخاري.

[32] تفسير التحرير والتنوير لمحمد طاهر عاشور (2/ 65).

[33] تفسير الرازي (5/ 30) طبعة (32) مجلدا.

[34] تفسير القرطبي (2/ 216).

[35] أنظر تفسير القرطبي (2/ 216) , وتفسير الرازي (9/ 130) , والدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي, وأحكام الجصاص (1/ 124).

[36] أنظر تفسير القرطبي (2/ 216) , وتفسير الرازي (9/ 130) , والدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي, وأحكام الجصاص (1/ 124).

[37] أنظر تفسير القرطبي (2/ 216) , وتفسير الرازي (9/ 130) , والدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي, وأحكام الجصاص (1/ 124).

[38] تفسير القرطبي (2/ 304).

[39] تفسير الرازي (9/ 130).

حكم العمل في جماعة · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حكم العمل في جماعةص ٦