تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

آيات حكيمة أخر تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قول الله عزوجل: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾.

ومعنى الوسط هنا؛ العدول والخيار والأفضلون, فهي أمة فاضلة.

روى الترمذي بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾، قال: (عدلا) [حديث حسن صحيح] [17].

وفي التنزيل: ﴿قال أوسطهم﴾، أي أعدلهم وخيرهم.

وقد جعلها الله فاضلة؛ لكي تشهد على الناس، لأن اللام هنا للتعليل.

إن هذه الأمة لها منزلة القيادة والريادة على البشرية، وقد ألقى في يدها زمام قياد الإنسانية، فهم حفظة دينه, وحراس شريعته التي نزلت رحمة للعالمين إلى يوم الدين, ولذا فهي مسئولة عن البشرية يوم القيامة في المحكمة الإلهية أنها بلغتها الرسالة الخاتمة.

بل لقد وردت الأحاديث الصحيحة أنها شاهدة على أمم الأنبياء السابقين, أيضا روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب, فيقول: هل بلغت? فيقول: نعم, فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير, فيقول: من يشهد لك? فيقول: محمد وأمته, فيشهدون أنه قد بلغ – ﴿ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ - فذلك قوله عزوجل: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا ... ﴾).

فعلى الأمة أن تعي منزلتها, وتتبصر الواجب الذي ألقاه الله على كاهلها, إنها واقفة أمام الله وقفة الأنبياء, ومسئولة عن هداية البشرية, ومحاسبة عما قدمت تجاه الناس, إنها شهيدة, مستحفظه، مستأمنة على دين الله.

قال ابن زيد [18]: (الأشهاد أربعة ...

1) الملائكة؛ ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾.

2) الأنبياء؛ ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾.

3) أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ﴿وجئ بالنبيين والشهداء﴾، ﴿ويوم يقوم الأشهاد﴾.

4) الجوارح؛ ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم﴾) [19].

لقد عدل الله هذه الأمة وجعلهم حجة على الناس في قبول أقوالهم, كما الرسول صلى الله عليه وسلم حجة علينا في قبول قوله علينا, فقول الأمة حجة على الناس في الدنيا, وهم شاهدون عليهم يوم القيامة.

وعدالة الأمة ثابتة في كل عصر, وهذا دليل على حجية الإجماع.

* * *

وهناك فئة أخرى من الناس تقول بصدق؛ "أريد أن أعتزل الجماعة حتى أربي نفسي ثم أعمل مع الجماعة"!

ونحن نقول لهم:

أ) إن التربية لا تتم إلا في وسط الجماعة.

ب) إن التربية لا تتم إلا من خلال الحركة بهذا الدين, فالقرآن لا يفتح كنوزه ولا يعطي أسراره للقاعدين, فهذا الدين دين عملي لا يُفهم من خلال الكتب والخلوات أو الإعتزال.

ج) إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم, وتقصيره في حق نفسه لا يسوغ له تقصيره في هذه الفريضة, فأي منطق هذا أن يقال للمصلي الذي لا تلتزم زوجته اللباس الشرعي؛ أترك صلاتك حتى تلتزم زوجتك اللباس الشرعي؟!

قال ابن العربي في أحكامه [1/ 292]: (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض يقوم به المسلم، وإن لم يكن عدلا، خلافا للمبتدعة الذين يشترطون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العدالة ... وكل أحد عليه فرض في نفسه أن يطيع, وعليه فرض في دينه أن ينبه غيره على ما يجهله من طاعة أو معصية).

وقال حذاق أهل العالم: (ليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية، بل ينهى العصاة بعضهم بعضا) [20].

وقال بعض الأصوليين: (فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهي بعضهم بعضا)، واستدلوا بالآية؛ ﴿كانوا لايتنا هون عن منكر فعلوه﴾، يقتضي اشتراكهم في الفعل, وذمهم على ترك التناهي.

وقال الجصاص: (فرض النبي صلى الله عليه وسلم؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, مجرى سائر الفروض في لزوم القيام به، مع التقصير في بعض الواجبات, ولم يدفع أحد من علماء الأمة وفقهائها سلفهم وخلفهم وجوب ذلك، إلا قوم من الحشو وجهال أصحاب الحديث) [21].

* * *

وهناك فئة ثالثة تحتج بالآية؛ ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون﴾!

ولقد خشي أبو بكر على الناس أن يفهموا أنهم ليس عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا صلحوا، فقام فحمد الله, وأثنى عليه, ثم قال: (يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ... إلى آخر الآية﴾ , وأنكم تضعونها على غير موضعها, وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه, أوشك أن يعمهم الله بعقابه") [22].

ورواية الترمذي: (إن الناس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه؛ أوشك أن يعمهم الله بعقاب) [23].

وفي الترمذي [24] عن أبي أمية الشعباني، قال: (أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية? قلت: قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بل أئتمروا بالمعروف, وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة, وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصة نفسك, ودع العوام، فإن من ورائكم أياما الصبر، فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم).

قال عبدالله بن المبارك: (وزادني غير عتبه, قيل: يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم? قال: بل أجر خمسين منكم).

يقول ابن العربي: (هذه الآية من أصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو أصل الدين وخلافة المسلمين) [25].

قال الجصاص: (ثبت بما قدمنا ذكره من القرآن والآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وجوب فرض الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, وبينا أنه فرض على الكفاية - إذا قام به البعض سقط عن الباقين - وجب أن لا يختلف في لزوم فرضه البر والفاجر, لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضا غيره, ألا ترى أن تركه للصلاة لا يُسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات, فكذلك من لم يفعل سائر المعروف, ولم ينته عن سائر المناكير, فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه) [26].

وقول الجصاص: (فرض على الكفاية)، هذا في زمنه حيث يظلهم شرع الله, ويقوم فيهم خليفة بحكم الله - مع بعض المخالفات الشخصية من الأمراء - أما اليوم؛ فقد ضاع دين الله وانتهكت حرماته وتعديت حدوده, فأصبح العمل لرفع راية لا إله إلا الله فوق المجتمع؛ فريضة عين على كل مسلم ومسلمة.

[17]- الجامع الصحيح الترمذي (11/ 83).

[18] تفسير الرازي مفاتيح الغيب (4/ 113)

[19] أنظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/ 158) , وأحكام الجصاص (1/ 10)

[20] تفسير القرطبي (6/ 254) , أنظر تفسير ابن الجوزي (زاد المسير 2/ 242).

[21] أحكام الجصاص (2/ 320).

[22] رواه أحمد في المسند (1/ 2) وأصحاب السنن الأربعة, وابن حبان في صحيحه.

[23] جامع الترمذي (11/ 181) وقال: حسن.

[24] قال الترمذي: حديث حسن غريب, أنظر الجامع الصحيح (11/ 180).

[25] أحكام القرآن لابن العربي (2/ 702).

[26] أحكام الجصاص (2/ 320).

حكم العمل في جماعة · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حكم العمل في جماعةص ٥