الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فريضة بإجماع المسلمين
أجمع السلف والخلف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة يجب أن يقوم بها قسم من الأمة - في حالة وجود الدولة الإسلامية, والأمة المسلمة التي تعيش في إطار المجتمع المسلم الخاضع لشرع الله ومنهاجه - وإلا كانت الأمة كلها آثمة.
هذا في حالة قيام المجتمع المسلم, أما عند غيابه فيصبح الأمر بالمعروف فرض عين على كل مسلم ومسلمة.
ولقد اتفق الفقهاء أنه إذ اغتصب شبر من أراضي المسلمين أصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم، حتى تخرج المرأة بغير إذن زوجها، وإذا سبيت امرأة في المشرق وجب على أهل المغرب افتداؤها, ولو أتى على أموالهم جميعا، هذا في حالة اغتصاب شبر أو سبي امرأة؛ فكيف إذا اغتصب دين الله وأزيل من الوجود والشهود؟!
قال الجصاص في "أحكام القرآن" [4/ 154]: (إن الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع من كتابه, وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخبار متواترة عنه فيه, وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه).
وقال ابن العربي في "عارضة الأحوذي" [9/ 13]: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل في الدين, وعمدة من عمد المسلمين وخلافة رب العالمين, والمقصود الأكبر من فائدة بعث الرسل, وهو فرض على جميع الناس مثنى وفرادى، بشرط القدرة عليه).
والقدرة المشترطة هنا؛ في حالة الأمر بالمعروف, وتغيير المنكر باليد أو باللسان, ولكن هذا لا يعفي إنكار المنكر بالقلب مع المقاطعة وعدم الخلطة.
قال ابن عطية: (والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه, وأمن الضرر على نفسه, وعلى المسلمين, فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه) [9].
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يوجب اللعنة من الله، يقول الله عزوجل: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانو يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.
وهاتان الآيتان فيمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلسانه وقلبه, أو أنكر بلسانه مع المخالطة, والمعايشة, والمؤاكلة، فلقد استحقوا اللعنة بالعصيان والإعتداء, وهو ترك النهي عن المنكر.
وهذا الذي فسره قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه ابن مسعود قال: قال صلى الله عليه وسلم: (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم, وواكلوهم, وشاربوهم وضرب الله قلوب بعضهم ببعض, ولعنهم على لسان داود, وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)، قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئا، فقال: (والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا). [قال الترمذي [10]: حديث حسن غريب].
وقد رأينا في قصة أصحاب السبت؛ أن الله عزوجل مسخ الساكتين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الذين اعتدوا في السبت.
وفي صحيح مسلم [11]: (عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب, يأخذون بسنته, ويقتدون بأمره, ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لايفعلون, ويفعلون ما لا يؤمرون, فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن, ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن, ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن, وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).
وإذن فالأمر جد، فلا بد من الجهاد باليد, أو باللسان, أو بالقلب, والجهاد بالقلب عملية إيجابية لها أثرها في واقع الحياة بالمقاطعة, والإعراض, وعدم التعاون, وهذه أدنى مرتبة الجهاد ولا يبقى بعدها من الإيمان حبة خردل.
وأقل درجات الإيمان الإنكار القلبي, الذي إن اتفقت عليه الأمة؛ لا يظهر فيها فساد, ولا يطغى فيها غشوم, ولا يعلو فيها متجبر, وهذا المسمى بالعصيان المدني.
وفي صحيح مسلم [12]؛ عن أم سلمة رضي الله عنها - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون, فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم, ولكن من رضي وتابع).
لا بد من الكراهية القلبية, والإنكار بأية وسيلة من وسائل الإحتجاج, وإن ترك الإنكار القلبي يخرج صاحبه من دائرة الإيمان.
[9] تفسير القرطبي (6/ 253).
[10] عارضة الأحوذي (11/ 175).
[11] مختصر صحيح مسلم (1/ 16) رقم (3).
[12] مختصر صحيح مسلم (2/ 93) حديث رقم (1229).