مضى أبو مصعبٍ رافعَ الرأسِ، عزيزَ النفسِ، حُراً أبياً، كريماً وفياً، لم يعطي في دينه الدنية، ولم يَنَمْ على الضيم أبداً، ولم يُداهن في الحقِ أحداً، عزيزاً على الكافرين، رحيماً بالمؤمنين، مُحرضاً على القتال، و مجاهداً في سبيل الدين.
ومِن أقواله رَحمه الله: (فلا خير في عيشٍ تُنتَهَكُ فيه أعراضنا، و تُداسُ فيه كرامة أخَواتِنا، ويحكُمُنا فيه عُبّادُ الصليب).
وقوله: (نُقاتِلُ في العِراق و عُيونُنَا على بيتِ المقدس، الذي لا يُستَردُّ إلا بقُرآنٍ يهدي و سِيفٍ يَنْصُر).
وكان رحمه الله محَِلَ محبة أصدقائه، وتقدير أعدائه، فالمنصفون منهم شهدوا له ومدحوه، ولا عجب.
مضى طاهر الأثواب لم تبقى روضة *** غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ
عليك سلام الله دوماً فإنني *** رأيتُ الكريمَ الحُرَ ليس له عمرُ
اقتدى أبو مصعب بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واقتدى بمن مضى قبله بساداتنا؛ بمُصعبٍ وعمر وعلي وجعفر، رضي الله عنهم أجمعين، فخاض غِمار الحرب مُبتسماً، فرفع الله شأنه، وأعلى ذكره، وصار أُسوَةً لمن بعده.
حُب الجبان النفسَ أورده البقا *** وحُب الشُجاع الحربَ أورده الحربَ
وما الفرق ما بين الأنام وبينه *** إذا حَذِرَ المحذور واستصعب الصعبَ
مضى أبو مصعب عليه رحمة الله وقد فتح الله عليه؛ فأسَسَ قاعدة للدفاع عن الدين، ولاسترجاع فلسطين بإذن الله، وأخذ بثأرٍ للمستضعفين هناك، حيث أثخن في الأمريكيين حلفاء اليهود ودوَّخَهُم؛ فقتل رِجالهم، وصَدَّع بُنيانهم، واستنزف أموالهم، وشتت شملهم، وأذل كبريائهم، حتى تجرأ عليهم الداني والقاصي، والطائع والعاصي، فدخل التاريخ من أوسع أبوابه فَشرَّفه، وأخذ بيد العالم إلى طريق العزة فعرّفه، بإصرارٍ وحزمٍ وإباء، فخُّلِدَت سيرته مع سير أعلام النبلاء.
ولا تبكين إلا ليث غاب *** شجاعاً في الحروب الثائرات
دعوني في الحروب أمت عزيزاً *** فموت العز خير من حياتي
إن أبا مصعب علَّمَ البشرية دروساً عملية في كيفية انتزاع الحرية، فالحرية لا تُوهب للخانعين تحت قباب الديمقراطية، وعلَّمَ البشرية التمرد على الطغاة، في زمن إستَبدَ فيه الطاغوت الأكبر فرعون العصر، بوش وصحبه، وداسوا على جميع القيم والمواثيق، ولكم في غزو العراق وسجن غوانتنامو عِبرة، فأرهبوا الناس، واستذلوهم بالنار والحديد، وعاملوا الرؤساء معاملة العبيد. لقد جاء فرعون العصر إلى العراق لا يبالي برفض ومظاهرات البشر، الذين قالوا له: (لا لسفك الدم الأحمر من أجل النفط الأسود)، ولكنه احتقر العالم أجمع، وتقدَمَ إلى العراق مُستكبِراً، مُتَغطرِساً بجنده وعتاده، مُتَصوراً أن أسد الشرى قد مُسِخُوا، وأن رجال الإسلام قد خَنَسوا، بعد أن قدَّمَ له حُكام العَرَب مِن مُلوكٍ ورؤساء آيات الطاعة والولاء، والمذلة والاستخذاء، وكلٌ منهم يُحسِسُ على رأسه؛ متى يكون دوره لِيوضَع في رَمسِه. هَجَمَ العدو على العِراق فجعل يعسف بالناس عَسفاً، و ينسِفُ القرى نسفاً، وأزيز الطائرات قد ملأ الآفاق، وصمَّ الآذان، و إنفجارُ البارودِ قد نَشَرَ