والأصل في هذا الباب؛ حديث حاطب بن أبي بلتعة البدري الذي كتب إلى كفار مكة يخبرهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد غزوهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذا يا حاطب?!)، فقال: (لا تعجل علي إني امرؤ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أقربائهم ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذا فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا، والله ما فعلته شكا في ديني ولا رضى في الكفر بعد الإسلام). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه قد صدق). فقال عمر: (يا رسول الله دعني أجز عنق هذا المنافق؟)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه قد شهد بدرا وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ (1).
جاء في شرح السنة [01/ 47]: قال الإمام: (في حديث حاطب دليل على حكم التأول استباحه المحظور خلاف حكم المعتمد لاستحلاله من غير تأويل وأن من تعاطى شيئا من المحظور ثم ادعى له تأويلا محتملا لا يقتل منه. وأن من تجسس لكفار ثم ادعى تأويلا وجهالة يتجافى عنه).
وقد استدل الجمهور بالآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾، فقد سمى الله حاطب بن أبي بلتعة مؤمنا ... والمؤمن لا يجوز قتله ولا سفك دمه. وقد مال ابن القيم إلى رأي الإمام مالك، ونحن نرى رأي الإمام مالك رحمه الله.
قال ابن القيم [في زاد المعاد: 3/ 411]: (ثبت عنه أنه قتل جاسوسا، واستأذن عمر في قتل حاطب فقال: ومايدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
فاستدل به أيضا من يرى قتله كمالك وبعض أصحاب أحمد وغيرهم رحمهم الله، قالوا؛ لأنه علل بعلة مانعة من قتله، لم يعلل بأخص من أهل بدر، لأن الحكم إذا علل بالأعم كان الأخص عديم التأثير، وهذا أقوى والله تعالى أعلم.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
(1) حديث متفق عليه