تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العقائد، وفي العبادات، وفي المعاملات، وفي الأخلاق، وفي النفقات، وفي كل شيء. كما قيل:

عليك بأوساط الأمور فإنها طريق إلى نهج الصواب قويم

ولا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم

وأما الغلو في العبادات فله صور:

منها: أن يحدث في دين الله ما ليس منه، بأن يبتدع أذكارًا، أو أورادًا، أو صلوات، أو أفعالًا، لم يأتِ بها النبي ﷺ، فهذا نوع من التجاوز.

ومنها: أن يأتي إلى أمر مشروع فيزيد فيه، أو يدعه، كالثلاثة النفر الذي قال أحدهم: "أنا أصوم الدهر، ولا أفطر"، مع أن الصوم في أصله مشروع، وقال الآخر: "أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا"، مع أن القيام مشروع، وقال الثالث: "أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا" (١)، مع أن الزواج مشروع، فينبغي للمسلم أن يسُوس نفسه سياسة معتدلة؛ لأن النفس كالدابة التي يركبها؛ من حصان، أو بغل، أو سيارة، فإن حمّلها ما لا تطيق أعيت، وتعطلت، وإن ترفق بها، واغتنم نشاطها، سارت حثيثًا، وحفظ عليها نشاطها، واستبقى مادتها.

وأما الغلو في المعاملات: فيكون بأكل الربا، واللعب بالميسر، وبيوع الغرر، لتجاوزها حد العدل والإنصاف، وما يترتب عليه من المجازفة، والمضارة المنافية للتوسط.

وأما الغلو في الأخلاق: فيكون بتجاوز الحد الأوسط؛ فيكون كرمه إسرافًا وتبذيرًا، وشجاعته تهورًا وهلكة، وقوته بطشًا وتنكيلًا. وهكذا.

وأما الغلو في النفقات: فيكون بالخروج عن "القوام"، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].

فليكن المسلم معتدلًا في كل شيء؛ في عقائده، وعباداته، ومعاملاته، وأخلاقه، ونفقاته، بل وفي عواطفه ومشاعره؛ لأن من الناس من إذا أحب أسرف، وإذا أبغض أسرف، وقد جاء في بعض الآثار: "أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما،

(١) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح برقم (٥٠٦٣) ومسلم في النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه … برقم (١٤٠١).

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيد · الجزء ١ · الصفحة ٣٠٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيدج ١ · ص ٣٠٧