ولا تتحقق هذه الفاعلية العلمية إلا بسمو حالة العبودية لله تعالى عبر التجرد من هيمنة التعلق بالحالة الدنيوية، فإذا فعل الإنسان ذلك كانت قدرات ذاته، قلباً وجسداً ونفساً، امتداداً لقدرة الله تعالى، وليس هناك أحد من البشر، أنبياء وغير أنبياء، يتقدم على محمد صلى الله عليه وسلم في درجة العبودية، فاستدعى ذلك أن تكون شريعته أكمل شريعة، وفعاليته العلمية أرقى فعالية، وأمته خير الأمم:
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ... ) (1)
ج - قَدَرُ الكلمة
إنك إذا أطلقت كلمة على إنسانٍ ما، فإن مضمون هذه الكلمة لن يكون قدراًَ لازماً لذلك الإنسان، فقد تصفه بأنه عادل فيخالف وصفك ويكون ظالماً، وقد تسميه عبدالله فيأتي على غير ذلك. وما ذلك إلا لأن الأقدار يرسمها الله تعالى لا الإنسان فإذا ذكر الله تعالى عبداً من عباده بكلمة ما فإن مضمونها سيكون قدراً لازماً له ليس له أن يخرج عن إطاره تحت أي ظرف من الظروف ومن ذلك:
* قوله تعالى
(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً) (2)
فكان الله هو من اختار هذا الاسم ﴿يحى﴾ ليكون علماً على ولد زكريا عليهما السلام فاستوجب ذلك أن تستمر له الحياة، فمكث على الأرض حياً مدة ما كتب الله له من عمر، وعندما حانت ساعة مفارقته لهذه الدنيا لم يتركه جل شأنه ليموت في فراشه، لأنه بذلك سيكون ميتاً، فتنتفي عنه صفة الحياة، فكان من قدر الله تعالى له أن يقتله بنو إسرائيل، ليصبح بذلك شهيداً، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فبقى مضمون الاسم ملازماً له عليه السلام.
* و قال تعالى على لسان عيسى بن مريم عليه السلام:
(وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَاتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ .. ) (3)
(1) - آل عمران: الأية 110.
(2) – مريم: الآية 7.
(3) – الصف: الآية 6.