الْفَاعِليَّة الكَلاميَّة
جَبَلَ الله تعالى الإنسان على القصور والنسيان، فكانت النتيجة الحتمية أن تكون فاعلياته جميعاً ترجمة لهذه الجبلَّة، وقد عبر الإمام مالك عن هذه الحقيقة بقوله: كل ابن أنثى يُؤخذ منه القول أو يُرد عليه إلا صاحب هذا القبر، وهو يشير على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما إذا كان القول من الله تعالى فإنه سيكون قولاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإذا وجدنا إنساناً يتّصف بهذه الصفة فإنه لن يكون إلا عبداً خالصاً لله، تفانت ذاته في ذات ربه، فإذا صدر عنه قول لم يكن قوله إلا حقاً، وكأن الله تعالى هو المتكلم، بدون أن يكون ذلك نفياً لذاتية الإنسان.
ولبيان الفاعلية الكلامية لعبد الله صلى الله عليه وسلم كان من الأدب والحكمة أن نقرن بينه وبين عيسى عليه السلام؛ لاقترانهما في حديث الإطراء:
أولاً: عيسى عليه السلام
إن النصارى يؤمنون بالكتاب الذي لديهم على أنه هو نص السماء، ويذكرونه باسم العهد الجديد. وقد نظرت بعون الله في هذا العهد، فرأيته متضمناً على دلالات عظيمة وجليلة بغض النظر عن الانزلاقات التي وقع فيها النصارى وهم يستنسخون ذلك العهد. فكان في دلالات هذا العهد ما يشهد للمسيح عليه السلام بأنه لم يكن ينطق عن الهوى، بل عن وحي يلقيه الله تعالى على قلبه، فيجري به لسانه.
وقد ذكر لنا جل شأنه في القرآن العظيم قدراً من شواهد هذه الحالة، فقال على لسان عيسى عليه السلام:
- ( ... وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَاكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) (1)
لم يقيد عليه السلام هذه القدرة بحد معين، أي أنه لو جاءه آلاف الرجال
(1) - آل عمران: الأية 49.