يصدر عنها الكلام بدون لسان وشفتين، بل كان لسانه عليه السلام وشفتاه هما المكونان لتلك الكلمات، فماذا قال:-
( ... قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) (1)
نلاحظ أنه عليه السلام لم يطلق كلاماً غثاً، أو بعض منه غث والآخر سمين، بل ألقى كلمات لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، واصفاً نفسه بجملة صفات نلحظ فيها تقديم صفة ﴿عبد الله﴾ على سائر الصفات:
* إني عبد الله.
* آتاني الكتاب.
* وجعلني نبياً.
* وجعلني مباركاً.
* وأوصاني بالصلاة والزكاة.
* وبرّاً بوالدتي.
* ولم يجعلني جباراً شقياً.
فكان في تقديم ﴿عبد الله﴾ على هذه المحاور جميعاً إشارة إلى أنها أعظم صفة ينالها الإنسان في حالته الوجودية، وهو أن تكون ذاته البشرية قد تذللت وتعبدت من كل التواءات الحالة البشرية القاصرة، لتكون طريقاً تمضي فيه فعاليات القدرة الإلهية، فإذا نظر البشر إلى هذه الطريق ﴿عبد الله﴾ شاهدوا فيها مواكب القدرة الإلهية تمضي مضياً وافياً مهيباً، يملأ العين جلالاً وإيماناً بالله تعالى.
وقال تعالى:
(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي) (2)
أدرجنا النفخ في فاعلية الكلام، لأنه لا يكون إلا من خلال جهاز الكلام، بل إن الكلام ذاته ما هو إلا نفخ، ولكنه نفخ منتظم ومركب، ونفخة عيسى عليه
(1) – مريم: الآيات 30، 32.
(2) – المائدة: الآية 110.