وانتظم سنام الأحوال الشريفة، ففيه سنام المحبة كما في قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾، وفيه سنام التوكل وسنام الصبر، فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل، ولهذا قال تعالى: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾، وفي الجهاد أيضاً حقيقة الزهد في الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا، وفيه أيضاً حقيقة الإخلاص، فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله لا في سبيل الرياسة ولا في سبيل المال، ولا في سبيل الحمية، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا) (1).
فهذا هو جهاد ابن تيمية الذي دعا إليه وحرض عليه.
سادساً:
أن شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر لنا واقعة حدثت أيام قتال التتار عظيمة الدلالة في تقرير ما نحن فيه من كون الجهاد لم يشرع إلا لتحقيق العبودية لله رب العالمين، كما أنها تبين حقيقة مراد شيخ الإسلام ابن تيمية من قوله "إقامة أكثر شرائع الإسلام وإن لم يمكن إقامة جميعها"، قال رحمه الله: (إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم، وقال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكم من الضرر
فقلت لهم: هؤلاء الذي تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم المسلمين يوم أحد، فإنه كان قد قضى أن العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك ولحكمة كانت لله عز وجل في ذلك، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، ولما يحصل في ذلك من الشر والفساد، وانتفاء النصرة المطلوبة من القتال فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا وهذا، وإن كان كثير من القائلين الذين اعتقدوا هذا قتالاً شرعياً أجروا على نياتهم.
(1) مجموع الفتاوى: ج 28/ 441