وأعجب من هذا وذاك أنه يلبس سوارا من ذهب بساعة من ذهب، وقد جلسنا
طائفتين: إحداهما فيها أبوه وعمه وناس آخرون، والأخرى فيها هذا الفتى وكاتب
هذه السطور وابن عم له أكبر منه سنا ومقاما، وكان هذا الفتى على أبواب السفر
إلى أوربا، وقد ضرب له أبوه على نفسه ثلاثمائة جنيه في كل سنة يتسلمها بيده
وينفقها كيف يشاء وفيما يريد، وهو مع ذلك يراه مقدارا هينا، وكنا إذا فتحنا عليه
باب النصيحة والإرشاد حاول إغلاقه واستخف بأبيه وهو على مسمع ومرأى منا، لا
لشيء آخر سوى الفرق بينه وبين زي أبيه والنزعات النفسية فيهما، أما المعارف
والعلوم فهو منها خالي الوفاض بادي الأنفاض قد نسي تلكم القشور التي قد حصلها
منها.
فمثل هذا سيعود من أوروبا وقد قطع آخر خيط يربطه ببلاده كلها لا سيما إذا
عاد وبيده شهادة، وأي خير يرجى من مثله لبلاده؟ وأين هذا الشاب المسكين
المغرور بنفسه من شاب تعلم في مدرسة صبغت بصبغة وطنية كمدرسة المعلمين
الناصرية مثلا؟ وأتم الدراسة فيها، ثم سافر إلى أوربا.
-----------------
<span class="footnote">
(1) المنار: النشل والانتشال في العربية أخذ اللحم من القدر وله آلة عقفاء تسمى المنشال، ويطلق النشل على أخذ اللحم من العظام أيضا يستعمله كتاب الجرائد في أمثاله من المعاصرين بمعنى الإنقاذ من هلكة حسية أو معنوية ولهذا المعنى في اللغة كلمة فصيحة وهي الانتياش، قال ابن دريد:
إن ابن ميكال الأمير انتاشني ... من بعد ما قد كنت كالشيء اللقا.
(2) [نص الفقرة 125] ليس الأمر مقصورا على قلة مجموع الاعتمادات المخصصة بالتعليم بميزانية الحكومة بالنسبة لما في معظم البلاد الأجنبية، بل إن معظم تلك الاعتمادات ينفق على التعليم الراقي الذي لا ينتفع به سوى طائفة صغيرة ممتازة من الأمة لا تدفع سوى قسم ضئيل من النفقات التي يتطلبها تعليم أبنائها، أما سكان الأقاليم الذين تتوقف ثروة البلاد على كدهم ونصبهم فلا يكادون ينالون قسطا من التعليم في مقابل الضرائب التي يقع معظمها على كاهلهم، وإذا استثنينا الإعانة التي تمنح المكاتب في المحافظات ومديرية أسوان وقدرها 7300 جنيه وما ينفق على مدارس المعلمين والمعلمات الأولية الأربع وهو 28802 من الجنيهات، وصافي ما ينفق على المدرسة الأولية الراقية للبنين والمدرسة الأولية الراقية للبنات وقدره 4000 جنيه، وصافي ما ينفق على ثلاثة المصانع (الورش) الأميرية وهو 18000 جنيه والإعانة المخصصة ببعض مدارس صناعية غير تابعة للحكومة وقدرها 10410 جنيهات- إذا استثنينا كل هذه المقادير ومجموعها 68000 جنيه أمكن القول بأنه لم يدرج شيء في ميزانية الحكومة لسنة 1918 - 1919 لتعليم طبقات الشعب، على أن معظم هذه المقادير يصرف في مدينتي القاهرة والإسكندرية ثم إن الثمانية والستين من آلاف الجنيهات التي تصرف في تعليم أبناء الشعب يقابلها 49000 جنيه تحصل من إيراد الأراضي والعقار الموقوف للإنفاق على المكاتب الأهلية أي: أن ما تنفقه الحكومة في الحقيقة من إيراداتها الخاصة في كل سنة على تعليم الشعب على نحو 19000 جنيه فقط.
(3) [نص الفقرة 24] قال المستر أسكويث: (إن الحكم على مقدار رقي الأمة وفوزها في مضمار الحياة يجب أن يبنى على ما يتوافر لدى أدنا طبقاتها من الأمور الحسية والمعنوية) ويرى أنه لم يبن الحكم على ما وصل إليه القليلون من خيرة أفراد الأمة الذين ضربوا في التعليم الراقي بسهم، فإذا أردنا الوقوف على ما يتوافر لدى أدنى طبقات الأمة المصرية من الأمور الحسية والمعنوية وجب علينا أن نلقي نظرة إلى انتشار الأكواخ الحقيرة المبنية من الطين التي تضم بين جدرانها الإنسان وبهيمته وإلى شيوع القذارة والأوساخ وفشو العلل والأمراض وهلاك ثلث الأبناء في طفولتهم وانتشار الأمية بحال رائعة تعادل 96 في المائة من السكان وضيق المجال أمام الأفراد واقنصار كدهم على القوت اليومي، فهل إلى ترقية تلك الأحوال في الأمة المصرية من سبيل سوى تعميم التعليم؟ لا ومن العبث الاعتقاد بأنه يمكن الوصول إلى الرقي المنشود بالبدء بتعليم الطبقات الراقية قبل عامة الشعب أو بالاعتماد على ما يحدث من التأثر الذي ينشأ من اختلاط الطائفة القليلة المتعلمة بطبقات الشعب الجاهلة، بل إن الضرورة تقتضي بالنهوض بالتعليم العام وتتطلب نشر نور العرفان في الأمة