تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حضرة صاحب المعالي إسماعيل صدقي باشا للنظر في توسيع نطاق التجارة

والصناعة، والثانية برئاسة جناب اللفتننت كولونل بلفور للنظر في تعديل نظام

مصلحة الصحة العمومية بمصر، وجلي أن ضروب الإصلاح المقترحة في هذين

التقريرين ستلقى في الخطوة الأولى من إنفاذها عقبات كبيرة؛ لجهل الناس غاياتها

النبيلة.

10- فقد جاء في تقرير لجنة توسيع نطاق التجارة والصناعة ما يأتي: إن ما

سبق لنا ذكره من البيان المختص بالصناعة الصغرى المصرية لهو حجة قائمة

وشاهد ناطق على ما بالبلاد من النقص الذي تئن منه أنين الثكلى، وترزح تحت

أثقاله، فإن خلو الأعمال من النظام والترتيب واستهانة العمال بإتقان عملهم من

الأمور الدالة على ضعف التعليم ونقص تهذيب الأخلاق.

فإذا سأل سائل: ما حال القطر من حيث التعليم العام والتربية الخلقية؟

كان الجواب أن أقل بحث في هذا الموضوع يكفي للحكم بأن ما يتبع الآن من الخطط

في التربية والتعليم في مصر يقصر عن الوصول بالبلاد إلى الغرض السامي المقصود

منهما، وعن النهوض بها من الوجهة الخلقية؛ إذ مما لا نزاع فيه مطلقا أن التعليم لم

يعم حتى الآن جميع طبقات الأمة، وأن التربية المنزلية لا تقتصر مساوئها على

نقصها وتنكبها الغرض المنشود، بل إنها مبنية على أساس فاسد غير وطيد الأركان،

فهي بدلا من تعويد النشء النظام وحسن التدبير تولد في نفوسهم الإسراف وسوء

الإدارة في الأعمال، وهي تبث فيهم روح الكسل والإهمال، وتصرفهم عن الجد

والنشاط، وهي تغرس فيهم التردد في الأمور أو قلة العناية بها وعدم النظافة، وما

أشبه ذلك من النقائص التي تقف حجر عثرة في سبيل تقدم البلاد من الوجهة

المعنوية، وبذا تعوق تقدمها من الوجهة الحسية أيضا.

ولما كان من واجب هذه اللجنة اقتراح جميع الوسائل التي تؤدي إلى أقصى

درجات الرقي الاقتصادي، فهي تتشرف بلفت نظر الحكومة إلى ضرورة الإسراع

في إنفاذ مشروعها المختص بتعميم التعليم الأولي، وتوجيه مزيد العناية إليه،

وترى اللجنة أيضا أن من الواجب عليها التنبيه إلى ضرورة بذل مزيد العناية بأمر

التربية وتقويم الأخلاق وإصلاح أحوال البيئة المنزلية خاصة، فإن تربية المرأة في

هذا المقام من عوامل رقي الأمة بأسرها) .

11- وأوردت لجنة النظر في تعديل نظام الصحة العمومية قولا موجزا في

وصف الحال الحاضرة في مصر فقالت: من المعلوم أنه لا يتيسر رفع شعب من

الشعوب إلى المنزلة التي فيها يعرف لنفسه حقها، ما دام الجو الذي يعيش فيه ملوثا

بالأقذار، فإننا إذا أجلنا النظر في أنحاء مصر وجدنا أن معظمها تعلوه الأوساخ،

وتحط فيه رحالها الأقذار، فهي كما كانت في قديم الزمان ملطخة بالأمراض على

اختلافها، ولا أمل في أن يقوم أهلها بما عليهم من رفع شأن بلادهم ما دامت

الأمراض تثقل عواتقهم وتخيم على رؤوسهم، إن نسبة الوفيات في الأطفال رائعة،

فثلت أبناء الأمة يموت وهو في سن الطفولة وغضارة الحياة، هذا إلى أن انتشار

الحشرات والهوام بين الفلاحين لم يقل على الرغم مما ثبت حديثا من أن القمل

وسيلة لنقل التيفوس والحميات الراجعة التي تفتك بالأهلين فتكا ذريعا.

وقد أشارت اللجنة بوجوب شن غارة شعواء للقضاء على الجهل والقذارة،

واستئصال شأفة المرض والبؤس، ومما يلفت النظر أنها ذكرت الجهل أولا، ولم

تعلق أملا كبيرا على إصلاح الحال الصحية إصلاحا وافيا بالغرض بتلقين أسباب

ذلك لمن بلغوا سن الحلم، فقد قالت:

فإن الحقائق التي وقفنا عليها تدل دلالة واضحة على أن رجال فرقة العمال

المصريين بعد أن يقضوا مع الجيش مدة يضطرون فيها إلى مراعاة أنظمة صحية

خاصة لا يكادون يرجعون إلى مواطنهم بالقرى إلا وهم عائدون إلى سيرتهم الأولى،

فتراهم لا يعمدون إلى بث شيء في نفوس قومهم مما تعلموه من أسباب النظافة،

وكفى بتاريخ الجيش المصري دليلا على أن ذلك ليس من الغرابة في شيء، فإن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٩٤