تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على إقامة حق، ولا تجديد ملك، بل هو إما أن يضر وإما أن لا ينفع، ذلك المقصد

الذي لم ترتق أمة من الأمم الراقية في هذا العصر إلا على أيدي رجال من أهله

يصح أن يسموا حسينيين بما كان من استهانتهم بالحياة الدنيا في سبيل دك سلطان

الظلمة المستبدين بأمتهم، وإقامة سلطة عادلة مقيدة برأي الأمة مكانها، ذلك هو

الإمام الأعظم لمن تسميهم الأمم العزيزة اليوم بالفدائيين المنقذين لها، فهل يوجد أحد

من زعماء مأتم عاشوراء في قطر من الأقطار بث هذه الفكرة فيه، أو فكر فيها؟

***

شاهد تاريخي في مأتم عاشوراء

كان الباطنية من زنادقة المجوس وغيرهم ممن قبل دعوتهم قد اتخذوا شيعة

آل البيت ذريعة إلى مقصدهم السياسي الذي ذكرناه آنفا، وسبق لنا بيانه من قبل،

وكان جل كيدهم موجها إلى جعل ملك الإسلام في قبضتهم ليمكنوا من قتله بسيفه،

وقد نجحوا بتأسيس الدولة العبيدية الفاطمية بمصر، ولكن هذه الدولة زالت قبل أن

يتمكنوا من إزالة الإسلام بها، وهذه الدولة هي التي أحدثت مأتم عاشوراء في مصر

للمقصد الذي قامت به، وإننا نورد من تاريخ المقريزي الشهير صفة مأتم عاشوراء

عندهم وهو:

***

ما كان يعمل في يوم عاشوراء

قال ابن ذولاق في كتاب سيرة المعز لدين الله: في يوم عاشوراء من سنة ثلاث

وستين وثلثمائة انصرف خلق من الشيعة وأشياعهم إلى المشهدين: قبر كلثوم

ونفيسة ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالتهم بالنياحة والبكاء على الحسين -

عليه السلام - وكسروا أواني السقائين في الأسواق، وشققوا الروايا، وسبوا من

ينفق في هذا اليوم، ونزلوا حتى بلغوا مسجد الربح، وثارت عليهم جماعة من

الرعية أسفل، فخرج أبو محمد الحسين بن عمار وكان يسكن هناك في دار محمد

بن أبي بكر، وأغلق الدرب ومنع الفريقين ورجع الجميع فحسن موقع ذلك عند

المعز، ولولا ذلك لعظمت الفتنة؛ لأن الناس قد أغلقوا الدكاكين وأبواب الدور

وعطلوا الأسواق، وإنما قويت أنفس الشيعة بكون المعز بمصر، وقد كانت مصر

لا تخلو منهم في أيام الإخشيدية والكافورية في يوم عاشوراء عند قبر كلثوم وقبر

نفيسة، وكان السودان وكافور يتعصبون على الشيعة، وتتعلق السودان في

الطرقات بالناس ويقولون للرجل: من خالك؟ فإن قال: معاوية. أكرموه، وإن

سكت لقي المكروه، وأخذت ثيابه وما معه حتى كان كافور قد وكل بالصحراء ومنع

الناس من الخروج.

وقال المسبحي: وفي يوم عاشوراء - يعني من سنة ست وتسعين وثلثمائة

جرى الأمر فيه على ما يجري كل سنة من تعطيل الأسواق وخروج المنشدين إلى

جامع القاهرة، ونزولهم مجتمعين بالنوح والنشيد، ثم جمع بعد هذا اليوم قاضي

القضاة عبد العزيز بن النعمان سائر المنشدين الذين يتكسبون بالنوح والنشيد وقال

لهم: لا تلزموا الناس أخذ شيء منهم إذا وقفتم على حوانيتهم ولا تؤذوهم، ولا

تتكسبوا بالنوح والنشيد، ومن أراد ذلك فعليه بالصحراء. ثم اجتمع بعد ذلك طائفة

منهم يوم الجمعة في الجامع العتيق بعد الصلاة وأنشدوا وخرجوا على الشارع

بجمعهم، وسبوا السلف، فقبضوا على رجل ونودي عليه: هذا جزاء من سب عائشة

وزوجها - صلى الله عليه وسلم - وقدم الرجل بعد النداء وضرب عنقه.

وقال ابن المأمون: وفي يوم عاشوراء - يعني من سنة خمس عشرة

وخمسمائة - عبي السماط بمجلس العطايا من دار الملك بمصر التي كان يسكنها

الأفضل ابن أمير الجيوش، وهو السماط المختص بعاشوراء، وهو يعبى في غير

المكان الجاري به العادة في الأعياد، ولا يعمل مدورة خشب بل سفرة كبيرة من أدم،

والسماط يعلوها من غير مرافع نحاس، وجميع الزبادي أجبان وسلائط ومخللات،

وجميع الخبز من شعير، وخرج الأفضل من باب فرد الكم، وجلس على بساط

صوف من غير مشورة، واستفتح المقرئون، واستدعى الأشراف على طبقاتهم،

وحمل السماط لهم، وقد عمل في الصحن الأول الذي بين يدي الأفضل إلى آخر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٧