والحاكم من حديث النعمان بن بشير مرفوعا، وصححه الحاكم والترمذي وأبو
يعلى في مسنده من حديث البراء، وهو على حد حديث (الحج عرفة) رواه أحمد
وأصحاب السنن وصححوه، ومعناهما أن معظم الحج وركنه الأعظم عرفة، ومعظم
العبادة أو روحها ولبابها الدعاء، ويفسره حديث أنس (الدعاء مخ العبادة) رواه
الترمذي من طريق عبد الله بن لهيعة قاضي مصر ومحدثها وعالمها، وفيه مقال
معروف، ولذلك جعله الحافظ مؤيدا لما ذكرناه في تفسيره بعد أن عزاه إلى الجمهور،
وروى الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه من حديث أبي هريرة
رفعه (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) .
ولما كان الدعاء ركن العبادة الأعظم ومعظمها ومخها صار يطلق ويراد به
العبادة مطلقا كما قالوه في تفسير كثير من آيات القرآن حتى صار بعض الناس يظن
أن الصيام يسمى دعاء مثلا، وقد قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه
بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} (الأعراف:
180) ، أفرأيت من عمل بهذه الآية فذكر الله داعيا له بأسمائه خير أم من ألحد فيها
فصار يقول: هو هو هو، أو يا هو يا هو، وهي عبادة لم ترد في كتاب الله
ولا في سنة رسوله، ولا رويت عن السلف الصالح؟ وهي مع ذلك فاسدة في لغة
الكتاب والسنة، فإن الضمير وحده لا يسمى كلاما ولا يكون له معنى إلا إذا وقع في
كلام يكون له فيه مرجع، ومثله ما إذا كان جوابا لسؤال يعرف فيه المرجع بالقرينة،
ولا يدخل عليه حرف النداء ولا على الضمير المخاطب الذي يوجه إليه النداء،
فلا يقال: يا أنت. وحرف النداء يتضمن معنى الدعاء أو النداء، ويؤول بالفعل،
ولذلك جعلوا المنادى من المنصوبات وكل من أنت وهو ضمير رفع منفصل.
ولو صح نداء الغائب من الخلق وعهد في كلامهم بالضمير المنفصل أو غيره
لما كان ذلك بالذي يصح في نداء الخالق الذي لا يغيب عنهم، وقد روى الشيخان
وأصحاب السنن الأربعة من حديث أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النبي -
صلى الله عليه وسلم - في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي - صلى
الله عليه وسلم: (أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا
قريبا وهو معكم) ، والصوفية الصادقون العارفون أجدر من غيرهم بملاحظة
الشهود والحضور، والرازي رحمه الله لم يكن صوفيا، وإنما ينقل كلامهم
ويتصرف فيه، ولو سلمنا له قوله: إن أشرف الذكر ما كان خاليا عن معنى الدعاء؛
لما كان ذلك مستلزما التسليم له بجعل الذكر بضمير الغيبة - على فرض جوازه
وصحته - هو المتعين في تحصيل ذلك الذكر، بل نقول حينئذ: إن المتعين ذكره
تعالى باسمه الذي جزم هو تبعا للجمهور بأنه اسم علم للذات الواجب الوجود وأن
جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا تجري عليه، ورجح هو أنه اسم الله الأعظم
كما سبق النقل عنه، وهو اسم الجلالة (الله) ونتبع فيه المأثور، فنجعله بكلمة
التوحيد لا مفردا، فقد قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: (أفضل الذكر لا
إله إلا الله) رواه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم بسند صحيح من حديث
جابر بن عبد الله، ثم نقول: إن القرآن قد جعل اسم الرحمن مرادفا لاسم الجلالة في
عدة مواضع، كقوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله
الأسماء الحسنى} (الإسراء: 110) ?وذكر في عدة آيات في سياق الضر
والعذاب في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى حكاية عن الناصح لقومه باتباع المرسلين:
﴿إن يردن الرحمن بضر﴾ (يس: 23) ، وقوله في حكاية إنذار إبراهيم لأبيه:
﴿إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن﴾ (مريم: 45) ، وقوله: {قل من
كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} (مريم: 75) ، وهذه أبعدها عن
التأويل.
فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى واسع الاطلاع، ولا سيما في العلوم
العقلية، ولكنه كثير الخطأ، ولا سيما فيما يختص بعلوم السنة وآثار السلف،