تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهو المنصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه

جهنم وساءت مصيرا. قال: وحكى عبد الله بن عبد الحكم عن مالك أنه قال:

أعجبني عزم عمر ذلك. يعني هذا الكلام. وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الكلام

عن مالك، ولم يحكه عن عمر اه، ويجمع بين الروايتين بأن مالكا كان يرويه

تارة، ويقوله تارة مقررا له في نفسه على غير طريق الرواية، فعمل جمهور

الصحابة والتابعين وسياسة الخلفاء الأربعة الراشدين وقضاتهم وإدارتهم لأمور الأمة

في الحرب والسلم، ومعاملة المبتدعة وأرباب الأهواء والثوار الخارجين على أئمة

الحق والعدل، كل ذلك نبراس نهتدي به ونعرف حكم الله تعالى فيه، وحاجتنا إليه في

كل زمان ومكان كحاجة الصحابة - رضوان الله عليهم - في زمن الرسول إلى

مشاهدة أفعاله وسماع أحكامه والوقوف على قضائه وسيرته في الحرب والسلم.

وسنبين - إن شاء الله تعالى - مزية كل خليفة من الأربعة، وحكمة الله تعالى

في ترتيبهم على حسب أعمارهم، وما ترتب على ذلك من المصالح.

***

نتيجة هذه المقدمات

والمقصود من هذه التمهيدات

مكان مسلمي عصرنا من دينهم:

1- علم مما تقدم أن ما عليه جماهير المسلمين اليوم في أمورهم الدينية

ممزوج بالبدع والضلالات والفسق وترك الفرائض وفشو الفواحش وكثرة الشبهات

إلا في بلاد قليلة، فمعاشرة المسلمين لا يمكن أن يعرف منها حقيقة دينهم في مثل

القطر المصري أو الحجازي، دع ما دونهما في العلم والعراقة في الإسلام، وأن نجوم

هذه البدع بدأ في خلافة عثمان، فما كان عليه المسلمون قبلها فهو الإسلام الخالص،

وما كان في خلافة علي من معاملة الخارجين عن الإسلام باسم الإسلام، والخارجين

من المسلمين على أئمة الحق بالشهوات أو الشبهات، والمبتدعين فيه ما ليس منه

بالتأويلات، فهو الحق الذي يهتدى في أمثال هذه المشكلات، والنور الذي يستضاء به

في دياجير الظلمات، وعليه جرى علماء السلف الصالح من حملة السنة وأئمة العترة

ورواة الآثار، وأهل الاجتهاد الصحيح من علماء الأمصار.

مصادر الإسلام وحملته وكتبه:

2- إن دين الله الإسلام هو كتابه تعالى وما بينه من سنة رسوله بالقول

والعمل الذي كان عليه جمهور الصحابة والتابعين وأئمة عترة النبي - صلى الله

عليه وسلم - قبل حدوث الفتن وإحداث البدع وفي أثنائها، وحملته إلى الأمة هم

الذين حفظوا الكتاب والسنة، وصنفوا الكتب في الأخبار والآثار وسيرة أهل الصدر

الأول، وميزوا صادقها من كاذبها وصحيحها من سقيمها، وأئمة الأمصار في القرون

الثلاثة الذين بينوا للناس طرق فهم النصوص والاستنباط منها، فما أجمعوا عليه من

أمر الدين فهو الذي لا يسع مسلما تركه، وما اختلفوا فيه يرد إلى الكتاب والسنة كما

أمر الله تعالى بقوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم

تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (النساء: 59) أي: مآلا

وعاقبة، والرد في الأمور العامة منوط بأولي الأمر، وفي الوقائع الخاصة

بعمل كل فرد بما ظهر له الدليل على صحته، فإن لم يكن من أهل الدليل عمل بما

يفتيه به من يثق بعلمه بالكتاب والسنة ودينه في الاهتداء بهما.

عمل جمهور السلف حجة وهدى:

3- عمل جمهور السلف الصالح حجة فيما يختلف أهل النظر والاستدلال فيه

باجتهادهم، أو اختلاف أفهامهم وتأويلهم للنصوص، ولكننا نعذر المخالف لجمهور

السلف بالاجتهاد والتأول إذا علمنا من حاله أنه مؤمن بأن كل ما جاء به الرسول من

أمر الدين حق، ومسلم مذعن لذلك على الوجه المبين في المقدمات، وحينئذ نعامله

معاملة المسلمين في الصلاة معه، وفي أحكام النكاح والإرث وغير ذلك مع الرد

عليه ومجادلته بالتي هي أحسن، والتحذير من بدعته إذا كانت مخالفته ابتداعا، أو

فسقه إذا كانت فسقا، مهتدين في ذلك بما كان أهل الصدر الأول يعاملون به

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٤٨