تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأوسع هذه الأبواب اثنان: الشبهات المادية، واتباع بعض الدجالين المنتمين إلى

التصوف المدعين أنهم عرفوا الحقيقة، أو اتبعوا من عرفها بالكشف، وناهيك بطائفة

البكتاشية والملة البابية والبهائية من أهل هذا الزمان كسلفهم الباطنية من

الإسماعيلية وغيرهم، كل هذه الدواهي الطامة جاءت من ابتداع تلقي الدين عمن

ينسب إلى المذاهب المعروفة، والأخذ بما يقوله أو يكتبه كل منهم أو يوجد في كتبهم

من غير أن يكون تلقينا للكتاب والسنة وتفسيرا لما يحتاج إلى تفسير منهما، وجعل

هذا التلقين هو الأصل وما قد يحتاج إليه من فتوى اجتهادية في نازلة جزئية فرعا

لا يدعى إليه، ولا يجعل سنة متبعة وشريعة ثابتة، ولا يجعل من خلفه إلى غيره

مبتدعا ولا فاسقا، ولو فعلوا هذا واستعانوا عليه بما قاله أهل العلم بالتفسير

والحديث لما قطعت الصلة بين الأمة وبين النور الذي أنزله الله إليها، ولأقفل بذلك

باب الفوضى التي هي الأخذ بكلام كل من يعد من المعممين والمؤلفين مهما تكن

أقوالهم ومصادرها، وليس هذا هو الاجتهاد المطلق الذي أقفلوا بابه.

7- إن هذا الدين المصون كان أصله كتاب الله تعالى، وما بينه به رسوله في

أفعاله وأقواله وأحكامه، ويتوقف فهم الخلف إياه على معرفة سيرة السلف الصالح

من جمهور الصحابة والتابعين وحفظة السنة وعلماء الأمصار في القرون الثلاثة

التي هي خير القرون، ذلك بأن نصوص القرآن والأحاديث تحتمل المعاني المختلفة

بضروب المجازات والكنايات، فيعرض الناس فيها من التأويل ما ليس مرادا

للشارع، وإنما كان الصحابة أعلم الناس بهذا الدين؛ لأنهم أعلم بلغة القرآن

والحديث التي هي سليقة لهم، ولمشاهدتهم أعمال الرسول - صلى الله عليه وسلم-

ووقوفهم على أحكامه في بيانه، ولذلك قال علي كرم الله وجهه لابن عباس رضي

الله عنه حين أرسله لمحاجة الخوارج: احملهم على السنة فإن القرآن ذو وجوه.

والمراد من السنة معناها اللغوي؛ أي: سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -

وطريقته المتبعة من عهده، فإنها عمل لا يحتمل التأويل كما لا يحتمله كلامه وكلام

الله تعالى وسائر الكلام، وقد نهى بعض الخوارج بعضا عن محاجة ابن عباس

بالقرآن بحجة أنه من قريش الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿بل هم قوم خصمون﴾ (الزخرف: 58) يريدون أن لا يغلب في المحاجة والمخاصمة؛ لأنه ألحن بالحجة

وأبرع في مجال الغلب والخصومة، لا أنه صاحب الحق بما يثبته به من البرهان،

على أن القوم كانوا مستدلين، وفيما أخطؤوا فيه متأولين، وما قالوه هو تكأة

المقلدين، الذين يعذرون أنفسهم في الإصرار على ما ظهر لهم من ضلالهم بجهلهم

وحذق خصمهم وخلابته في القول، فالجهل عذر الجاهل العارف والمعترف بجهله

وعجزه، لا المستدل الذي ينافح عن دعواه بسيفه ورمحه.

وعلماء المذاهب التي يدعى الناس اتباعها يقولون: إن الجهل عذر في

المسائل التي من شأنها أن تخفى على العامة، وإن كانت مجمعا عليها كإرث بنت

الابن مع بنت الصلب السدس تكملة للثلثين الذي جعل الله تعالى في الكلالة فرضا

للأنثيين، ولا يجعلونه عذرا لأحد في المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، قالوا:

إلا إذا كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ في شاهق جبل: وهذا مبني على أن

معاشرة المسلمين كافية لمعرفة الضروري من عقائد الإسلام وأحكامه في العبادات

والحلال والحرام، وذلك كاف في صحة إسلام من يعرفه معرفة إذعان، وإن جهل

جميع المسائل الاجتهادية والنصوص الخفية المجمع عليها، فكيف بالمسائل المختلف

فيها؟ على أنه لا بد أن يعرف الكثير منها.

ولما قال العلماء ذلك القول كانت معاشرة المسلمين كافية لمعرفة حقيقة الإسلام

كما قالوا، ثم تغير الزمان، حتى صار المسلمون أنفسهم حجة على الإسلام،

ويعترف بذلك خطباؤهم على منابر جوامعهم في خطب الجمعة، بقولهم: (لم يبق

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٤٥