تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الغارقين في البدع على كتابة رد على فتوى لشيخ الأزهر ورئيس المعاهد الدينية

بالباطل حاول فيه جعل البدعة التي أنكرها الشيخ بالدليل دينا متبعا وعبادة مشروعة،

واستدل على ذلك بأحاديث لا تدل عليه ولا هي بصحيحة فيستدل بها على فرض

دلالتها على ما ذكر، ونشر رده الباطل في صحيفة يومية مشهورة قرأها ألوف من

الناس، وسكت علماء الأزهر على ذلك إلى أن أنكره على المتصوفي بعض أهل

الغيرة من الإسكندرية كما علم ذلك من جزء المنار الماضي.

ذلك بأن شيخ الأزهر - وإن كان رئيس علماء الدين في الأزهر وسائر معاهد

التعليم الديني في هذا القطر - ليس له رياسة دينية مطلقة عند المسلمين فيما يأمر

به وينهى عنه أو يفتي به، وإن وافق الحق لا شرعا ولا قانونا ولا مواضعة عرفية،

وليس من أعمال مشيخة الأزهر نشر الدين بتلقين عقائده وآدابه وأحكامه لعامة

المسلمين المكلفين بطريقة منتظمة، فيكون من أثر ذلك أن السواد الأعظم قد تلقى

دينه عن مصدر واحد موثوق به، بحيث نجزم بأن كل ما كان معلوما من الدين

بالضرورة في صدر الإسلام وسائر القرون التي جزم فيها علماء الأصول والفروع

بأن من جحد شيئا مجمعا عليه من هذه المعلومات يكون كافرا، بل نعلم بالاختبار

أن السواد الأعظم من المسلمين في هذه البلاد أميون، وأن المتعلمين في غير

المعاهد الدينية من الأهالي أكثر من المتعلمين فيها، فأما الأميون فأكثرهم لم يتلق

عقيدته من عالم ولا متعلم، بل يسمع بعضهم من بعض أقوالا وأمثالا وحكايات

بعضها من عقائد الإيمان، وبعضها من أضاليل أهل الكفر وخرافات أهل الشرك،

وأما المتعلمون في المدارس الدنيوية فكثير منهم تعلموا في مدارس دعاة النصرانية

التي أنشئت لتحويلهم عن دينهم، ومنهم من تعلموا في مدارس الحكومة وغيرها،

أو في أوربة، وجميع المدارس الدنيوية يبث فيها من التعاليم ما ينافي الدين أو يوقع

الريب في بعض عقائده، ولا يكاد يوجد فيها مدرسة يلقن المسلم فيها أصول دينه

على الوجه الحق المؤيد بالدلائل التي تدحض الشبهات الواردة عليه من العلوم

الأخرى، وأما المتعلمون في الأزهر وما يتبعه من المعاهد فأكثرهم يجيء من بلاد

الأرياف ومزارعها متشبعا بما عليه العوام من الخرافات والأوهام، فتمر عليه

السنون وهو يعالج مبادئ النحو والفقه التي لا تنزع من نفسه شيئا من الخرافات

والبدع التي عرفها وألفها، ثم يحضر دروس العقائد المعروفة في هذه المعاهد وهي

مختصرات أو ملخصات من كتب جدلية جافة فيما يجب اعتقاده في الإيمان بالله

ورسله واليوم الآخر تحرك الشبهات ولا تكاد تزيد مدارسيها إيمانا ولا عملا صالحا،

ولا تمييزا للبدع من السنن ولا ترغيبا في طلب رضوان الله وترهيبا من عقابه،

وقد يوجد في بعضها مدح لاتباع السنة وسيرة السلف وذم لما ابتدع بعدهم كقول

الجوهرة:

وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف

ولكن لم يذكروا في شروحهم وحواشيهم عليها خلاصة ما حوت دواوين السنة

من أحاديث الاعتصام وآثار الصحابة فيه، ولا ما ورد عن السلف من اجتناب البدع

والزجر عنها، بل لا تخلو أمثال هذه الشروح والحواشي مما يخالف السنة ويؤيد

البدعة وأهلها عن قرب أو بعد، كاحتياج الراد على فتوى شيخ الأزهر في هذه

الأيام بما في بعضها من قولهم: إن (أه) من أسماء الله تعالى، كما يوجد ذلك في

بعض كتب الفقه والفتاوى أيضا، ومنه قول بعضهم باستحباب وضع الستور على

قبور الصالحين قياسا على ستر الكعبة، والقائل بهذا ليس من أهل القياس الأصولي

الاجتهادي إلا أن يكون القياس الشيطاني الذي يهدم نصوص الكتاب والسنة، ويبني

بأنقاضها صروح البدعة، فقد صحت الأحاديث بحظر تشريف القبور وبناء المساجد

عليها، ووضع السرج والمصابيح عليها، ولعن الذين إذا مات الرجل الصالح فيهم

اتخذوا على قبره مسجدا، ومقتضى هذا القياس أن هذا مشروع محبوب عند الله

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٤٢