الشقاق الديني في سورية، وقد كان هذا خفيا عن الدولة العثمانية الجاهلة المتساهلة،
وعن أكثر الناس ولكن صار معروفا للعوام كالخواص، إذ ظهر تأثيره بما تجدد
من التفرق والشقاق بعد تلك المسائل التي مهدت للاتفاق، وهي ما أشرنا إليه في
الفصل الأول من هذه النبذة.
علم مسلمو بيروت من ضرر مدارس الإفرنج في هذه الأيام فوق ما كانوا
يعلمون وناهيك بها، وقد حملها زوال الحكم العثماني من البلاد على التشدد في
إكراه من يتعلم فيها من أولاد المسلمين على تلقي دروس الديانة النصرانية وحضور
وعظها وصلاتها، فافترصت ذلك بإلقاء عدة خطب دعوت فيها إلى تأسيس مدرسة
كلية إسلامية، ثم رغبت إلى عمر بك الداعوق الذي كان رئيس البلدية أن يدعو
كبار الأغنياء الذين يرجى منهم الخير إلى داره لأجل دعوتهم إلى الاكتتاب لهذا
العمل فلبى بالارتياح، ولما انتظم عقدهم ألقيت فيهم خطابا بما يقتضيه المقام من
الكلم الذي يرجى أن يقع موقع الإقناع من العقول والتأثير من القلوب، وفتح
عقب الفراغ منه باب الاكتتاب فدخله الأكثرون وأرجأ الأقلون، ولكن كان ما كتبوه
من المبالغ غير لائق بهذا المشروع العظيم ولا بباعث على الرجاء في النجاح
فآلمني ذلك وحفزني إلى إلقاء خطاب آخر كان شديدا بقدر شدة تألمي وتهيج
شعوري حتى قال لي صديقي أحمد مختار بيهم بعد أيام أنه لا يوجد أحد تقبل منه
هذه اللهجة الشديدة سواك، ولكن كان من تأثير الإخلاص فيه أن ضاعف كثير من
المكتتبين ما كانوا كتبوه من التبرع.
ثم ألفنا لجنة من كبار الوجهاء أهل الغيرة كانت تطوف على من لم يحضر
ذلك الاجتماع في مكاتبهم ومخازن تجارتهم لإتمام الاكتتاب، وأفرادها عمر بك
الدعوق وأبو علي سليم وعلي سلام أفندي وأحمد مختار بك بيهم ومحمد أفندي
الفاخوري ورشيد أفندي اللاذقي ورشيد رضا كاتب هذا، وقد بلغ الاكتتاب بالمبالغ
التمهيدية بضعة آلاف من الجنيهات مع اكتتاب سنوي آخر، وقد سافرت إلى الشام
قبل إتمام الاكتتاب فوقف سيره ولكن العمل لم يقف فقد ابتاعوا أرضا واسعة
بجوار الحرش باسم هذه المدرسة ستبنى فيها إن شاء الله تعالى.
هذا ما انتهى إليه السعي والاستعداد لهذا المشروع وهو ليس مما تبيض به
الوجوه، إلا إذا نظر إليه من حيث إنه بدء حياة اجتماعية جديدة يرجى أن تنمي
وتزداد بالعمل، وقد كنا معشر الساعين إليه غير مغرورين بنهضتنا ومبلغ استعدادنا
ولذلك اتفقنا على أنه لا يرجى نجاحه وثباته إلا إذا عهد به إلى جمعية المقاصد
الخيرية الإسلامية التي ستكون إن شاء الله تعالى من أغنى الجمعيات الوطنية
فقررنا نوط العمل بالجمعية، وسعينا إلى تجديد نظامها وتنظيم جلساتها التي كانت
معطلة فتم ذلك في أقرب وقت بمساعدة رئيسها صاحب الفضيلة مفتي بيروت أدام
الله النفع به.
ولما شعر المسيحيون بهذا السعي استكبره على المسلمين المستكبرون،
وكرهه لهم ومنهم الكارهون، وكتبوا في جرائدهم: إننا نريد لوطننا السوري
مدارس وطنية لا مدارس دينية، فالدين هو الذي فرق كلمتنا، وأغرى العداوة
والبغضاء بيننا، فرددت عليهم في جريدة (الحقيقة) بأن المدارس الدينية التي فرقت
وفعلت ما فعلت هي مدارس مسيحية لا إسلامية ولا وطنية، فإذا رضيتم بتركها
واستبدال مدارس وطنية بها فإننا نضع أيدينا في أيديكم وأموالنا مع أموالكم وأولادنا
مع أولادكم، ولكننا نقول: إن الدين لم يكن هو المفرق والمغري بالعداوة بأصوله
وتعاليمه، بل بسوء استعمال السياسة الأجنبية له، وإننا بالتربية الوطنية يمكننا أن
نجعله من أكبر أسباب الاتفاق والتعاون، وفي نصوص القرآن والإنجيل ما يهدي
إلى سلوك هذه السبيل، وهي التي سلكها فقيد الوطن (البستاني) الذي اتفق المسلمون
مع المسيحيين على احترامه والاحتفال في هذا العام بذكرى مرور مائة سنة من
تاريخه.
فهلموا ننشئ مدرسة وطنية جامعة ونجعل في جانب منها مسجدا، وفي جانب