تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيها مذهب التأويل، فإن من التأويلات التي يرتكبها بعض البصريين ما يكاد

الناظر - لتعسفاتها عن نظم اللفظ - يقطع بأنها لم تقع في قصد الشاعر ولا حامت

حول قريحته.

ومن الأقوال الشاذة ما لا تجد للتأويل فيه مدخلا، ومن شواهده أن البصريين

يمنعون أن تجمع الصفة التي لا تقبل تاء للتأنيث جمع مذكر سالم نحو أسود وأحمر،

وأجازه الكوفيون تمسكا بقول الشاعر:

فما وجدت نساء بني تميم ... حلائل أسودين وأحمرينا

ولا يتخلص البصريون من هذا الشاهد إلا بطرحه إلى النادر الذي لا يقوم

عليه القياس.

والتأويل إنما يقتحمه البصريون إذا كان الحرف المخالف للمعروف في اللسان

واردا عن فرد أو فردين ممن يتكلم باللغة العربية المألوفة، وأما إذا ثبت أنه لغة

قبيلة فلا وجه لتأويله والخروج به عن ظاهره، ولهذا أبطل ابن هشام تأويلات أبي

علي الفارسي وأبي فزار لقولهم: (ليس الطيب إلا المسك) برفع المسك؛ لأن أبا

عمرو بن العلاء أثبت أن رفع خبر (ليس) الواقع بعد (إلا) لغة تميم.

والتحقيق أن الشاذ على قسمين:

أحدها: أن يكون كلام العرب سائرا على سنة معروفة ووضع عام فتسمع

الكلمة أو الكلمتان ممن لا يعرف بالفصاحة وهي تخالف المعروف في الأسلوب، فهذا

لا نقيس عليه قطعا، بل الكلمة ونحوها لا تنقض بها القاعدة التي يجري عليها

الفصحاء في عامة مخاطباتهم ولو نقلت عن فصيح؛ إذ يجوز أن تكون صدرت منه

على وجه الغلط أو القصد إلى تحريف اللغة، فإن ألسنة الفصحاء قد تقع في مزلة

الخطأ وتطوع لهم متى قصدوا إلى تغير الكلمة عن وضعها المألوف لهزل ونحوه.

ثانيهما: ما يرد في الكلام الفصيح ونتحقق أنه لم يصدر عن خطأ أو تلاعب

في أوضاع اللغة مثل آيات الكتاب الحكيم والأحاديث التي تعددت أسانيدها، فهذا

يصح لنا أن نضعه بمكان القياس وننسج على مثاله وإن أباه البصريون والكوفيون،

فلا نبالي أن نؤكد بلفظ (أجمعين) منفردة عن لفظ (كل) وإن منعه أكثرهم

لوروده في قوله تعالى: ﴿لأغوينهم أجمعين﴾ (الحجر: 39) {وإن جهنم

لموعدهم أجمعين} (الحجر: 43) ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ (هود: 119) .

***

القياس فيما يفتقر إلى التأويل

قد يستعمل نوع من الكلام على وجه شائع ولا يستقيم المعنى إلا بتأويله،

ومقتضى مذهب الجمهور المنع من القياس عليه ولو كان وجه تأويله مما يسعه

القياس، وهذا كما قالوا في المصدر الذي كثر مجيئه نعتا وحالا أنه مقصور على

السماع، مع أنهم يؤولون ما ورد منه على تقدير مضاف أو تخريجه على مجاز،

وقالوا: إن اسم الزمان لا يخبر به عن الذات، وأولوا نحو قولهم: (الليلة الهلال)

على تقدير لفظ (طلوع) مضافا إلى الهلال، والحق أن المنع من القياس في مثل هذا

مشروط بما إذا لم يقصد المتكلم إلى تأويل قريب ووجه مقيس وهو مذهب ابن مالك،

أما إذا نوى اسم معنى يضيفه إلى ما بعده واستقام به المراد فإنه يلتحق بسائر

الجمل التي يحذف فيها المضاف لقرينة تشير إليه.

ومن هذا القبيل إنكار الحريري لقولهم: (هو قرابتي) وليس بمنكر من

القول متى علم المتكلم بأن القرابة مصدر وعمد إلى إطلاقه على ضرب من المجاز

أوالتقدير، ويدخل في هذا الصدد حكم صاحب المصباح على قولهم: (أذن العصر)

بالخطأ مع أن إسناد الفعل إلى زمانه على وجه المجاز ليس بعزيز، وإنما يحكم

عليه بالخطأ إذا لم يصدر من بليغ ينحو بالكلام نحو خلاف الظاهر. ويشاكل هذا

قول ابن قتيبة في أدب الكاتب (الملة: يذهب الناس إلى أنها الخبزة، فيقولون:

أطعمنا ملة، وذلك غلط إنما الملة موضع الخبزة) قال ابن السيد في شرحه: وليس

يمتنع عندي أن تسمى الخبزة ملة؛ لأنها تطبخ في الملة كما يسمى الشيء باسم

الشيء إذا كان منه بسبب، أو يخرج على حذف المضاف، أي: خبز ملة.

والصحيح ما عرفته من أن التخطئة في مثل هذا أو التصويب مما يرجع فيه إلى حال

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٦٩