الصلاة والسلام: (من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) .
وقال ابن حزم عقب الكلام الذي نقلناه عنه في الاحتجاج بالقرآن: وإذا
وجد - يعني الباحث في العربية - لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما فعل به
مثل ذلك - يعني الصرف عن وجهه والتحريف عن موضعه - وتالله لقد كان محمد
ابن عبد الله قبل أن يكرمه الله بالنبوة وأيام كونه بمكة أعلم بلغة قومه وأفصح فيها،
فكيف بعد أن اختصه الله للنذارة واجتباه للوساطة بينه وبين خلقه؟ وكلام ابن حزم
هذا لم يصادف المفصل في رد مذهب الجمهور؛ إذ هم لم يمتنعوا من الاستشهاد
بالحديث لقلة فصاحته وإنما لم يأخذوا به في العربية لما عرفت من احتمال روايته
بالمعنى.
والحق أن الأحاديث التي تعددت أسانيدها ولم يختلف لفظها يبعد فيها احتمال
الرواية بالمعنى فيصح الاحتجاج بها من غير شبهة.
***
القياس على الشاذ
للحكم الذي ورد به السماع النادر أربعة أنواع، أحدها: ما لا يعارضه قياس
ولا سماع آخر، وهذا يكتفون في اطراده بالشاهد الواحد ولا يشترطون له السماع
الفاشي، ومن هذا قولهم: (شنأي) في النسب إلى شنوءة، فقد اكتفى بها سيبويه
وغيره وجعلوا القياس في النسب إلى (فعولة) على الإطلاق الفعلي، ولم تقع
إليهم من شواهده غير هذه الكلمة المفردة.
ثانيها: ما يخالف القياس والسماع، وهذا لا يغني فيه المثال النادر قطعا،
وقد حاد الأخفش عن قصد هذا السبيل حين سمع قولهم: (هداوي) في جمع هدية
فجلعه مقيسا في كل ما كان لامه ياء، والحال أنه لم ينقل منه إلا هذه الكلمة الشاذة
عن السماع والقياس؛ إذ المسموع والموافق للقياس في مثل هذا بقاء الياء بحالها
فيقال: هدايا وعطايا ومزايا وبلايا وسرايا ودنايا.
ثالثها: ما يخالف القياس ولا يكون السماع مصادما له كما ورد في تصغير
فعل التعجب في قولهم: ما أميلحه، وما أحيسنه، فهذا وارد على خلاف القياس إذ
التصغير من خصائص الأسماء ولم تضرب فيه الأفعال بسهم، وصيغة التعجب من
قبيل الأفعال الماضية، وإنما كان تصغير الفعل غير مصادم للسماع لأن العرب لم
يدلوا على معنى التصغير فيه بصيغة أخرى حتى يقال: هذه الصيغة - أعني أميلحه
وأحيسنه - مخالفة للمسموع.
رابعها: ما يطابق القياس ويخالف السماع كما ورد خبر (عسى) صريحا
في قولهم: (عسى الغوير أبؤسا) وقولهم: (إني عسيت صائما) .
وهذا مطابق للقياس - لأن الأصل في الخبر الإفراد - ومخالف للسماع؛ إذ
المعروف في خبر (عسى) مجيئه مضارعا مقرونا (بأن) أو مجردا منها.
وهذان القسمان - أعني ما خالف القياس فقط أو السماع دون القياس - هما
محل الخلاف بين علماء العربية، فالكوفيون يعتدون بما ورد من ذلك على سبيل
الندرة ويعملون بالقياس عليه، قال صاحب الإفصاح: عادة الكوفيين إذا سمعوا لفظا
في شعر أو نادر كلام جعلوه بابا أو فصلا، والبصريون يمتنعون من القياس على
الشاذ ويذهبون في مثله إلى أن قائله نحا به خلاف ما يظهر منه ويردونه إلى الأصل
المعروف عندهم على طريق من التأويل، وبعض النحاة كابن مالك لا يكلف نفسه
تأويله ولا يقبله في موضع المطرد بل يصفه بالشذوذ أو أنه خرج مخرج الضرورة،
وإلى هذه الطريقة أومأ ابن السراج في الأصول بقوله: ليس البيت الشاذ أو الكلام
المحفوظ بأدنى إسناد حجة على الأصل المجمع عليه وتأويل هذا كتأويل ضعفة
الحديث واتباع القياس في الفقه، ومن أمثلة هذا أنهم ذكروا في شروط أفعل التفضيل
أن لا يكون أصل الوصف على وزن أفعل نحو أبيض وأسود ولما جاء قول الشاعر:
جارية في درعها الفضفاض ... أبيض من أخت بنو أباض
أنزله الكوفيون منزلة المقيس عليه، وتأوله البصريون على أنها من (باض
فلانا) إذا غلبه وفاقه في البياض، وأبقاه ابن مالك على ظاهره وألقاه إلى قسم
المسموعات الشاذة.
والأصوب في كثير من الشواهد طريقة من يقضي عليها بالشذوذ ولا يذهب