فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم كلنا سمعه. فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر
فأخبره. وقال علي رضي الله عنه: كنت إذا سمعت عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث استحلفته، فإن حلف لي
صدقته، وإن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر.
ولقد كان كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلون من الرواية
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يدخلوا في الحديث ما ليس منه سهوا أو
خطأ، فينالهم من وصف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن أولئك
الزبير وأبو عبيدة والعباس بن عبد المطلب، وكانوا ينكرون على من يكثر من
الرواية؛ إذ الإكثار مظنة الخطأ، والخطأ في الدين عظيم الخطر، فأنكروا على أبي
هريرة كثرة حديثه حتى اضطر لتبرئة ساحته أن يبين السبب الذي حمله على الإكثار
فقال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت
حديثا، ثم يتلو: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه
للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا
فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} (البقرة: 159-160) إن إخواننا
من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم
العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم يشبع
بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون.
***
مبدأ تدوين السنة
لما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وشاع الابتداع، وتفرقت الصحابة في
الأقطار، ومات كثير منهم، وقل الضبط - دعت الحاجة إلى تدوين الحديث وتقييده
بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل والقلم يحفظ، فلما أن أفضت
الخلافة إلى الإمام العادل عمر بن عبد العزيز كتب على رأس المائة إلى أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم عامله وقاضيه على المدينة: انظر ما كان من حديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. وأوصاه
أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية [2] والقاسم [3] ، وكذلك كتب
إلى عماله في أمهات المدن الإسلامية بجمع الحديث، وممن كتب إليه محمد بن
مسلم بن عبيد الله بن عبد الوهاب بن شهاب الزهري المدني أحد الأئمة الأعلام،
وعالم أهل الحجاز والشام [4] ، ثم شاع التدوين في الطبقة [**] التي تلي طبقة
الزهري، فكان أول من جمعه بمكة ابن جريج [5] ، وابن إسحاق [6] ، أو مالك [7]
والربيع بن صبيح [8] ، أو سعيد بن أبي عروبة [9] ، أو حماد بن سلمة [10] ، وسفيان
الثوري [11] ، والأوزاعي [12] ، وهشيم [13] ، ومعمر [14] ، وجرير بن عبد
الحميد [15] ، وابن المبارك [16] ، وكل هؤلاء بالقرن الثاني، وكان جمعهم للحديث
مختلطا بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
***
أشهر الكتب المؤلفة في القرن الثاني
من أشهر الكتب المؤلفة في المائة الثانية الموطأ للإمام مالك بن أنس المدني
إمام دار الهجرة [17] ، ومسند الإمام الشافعي [18] ومختلف الحديث له [***] ، والجامع
للإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني [19] ، ومصنف شعبة بن الحجاج [20] ،
ومصنف سفيان بن عيينة [21] ، ومصنف الليث بن سعد [22] ، ومجموعات من
عناصرهم من حفاظ الحديث، وعقال أوابده كالأوزاعي والحميدي [23] .
ولما كان موطأ مالك أسير هذه الكتب ذكرا، وأبعدها صيتا، وأجلها قبولا رأيت
أن أفرد له فصلا يجلي شأنه، ويوضح ما لاقاه من عناية الأمة وأئمة الدين.
***
موطأ الإمام مالك
درجة حديثه: قال الحافظ ابن حجر: إن كتاب مالك صحيح عنده، وعند من
يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع [24] وغيرهما. قال
المحدث الدهلوي صاحب كتاب (حجة الله البالغة) : أما على رأي غيره، فليس فيه
مرسل ولا منقطع إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى، فلا جرم كانت صحيحة