تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مع رجال الدين، وكنا نود لو يوفق في هذا العمل لما يرفع من قدر علماء الأزهر،

ويثبت لمن راجت عليهم دسائس الأجانب في استحسان عزل رجال الدين عن

السياسة وسائر المصالح المدنية أنهم أهل لكل ما ينفع الأمة بأفكارهم وأقلامهم

وأعمالهم؛ لأن هذا ما نراه لهم وسبق لنا القول فيه مرارا، فلا غرو إذا ساءنا جعل

الشيخ مضغة في الأفواه، وإن كان هو عقبة في سبيل الإصلاح الديني المدني الذي

نسعى إليه حتى مقاومة البدع كما يعلم من ردنا على ما كتبه في تأييد بدع يوم

الجمعة وغير ذلك، فالشيخ بخيت لا يصلح للسياسة.

وأما قرينه في هذه الحركة الشيخ عبد الحميد البكري، فهو يعد من رجال الدين

بالوراثة ومشيخة الطرق التي هي وظيفة رسمية لتقاليد معروفة، وإنما كانت تربيته

وتعلمه مدنيين لا دينيين أزهريين، وهو محافظ على فرائض الدين وآدابه وأخلاقه

قلما يوجد مثله في الجمع بين العيشة المدنية كالمتفرنجين مع هذه المحافظة على

الدين بأداء الفرائض واجتناب المعاصي والرذائل، وهو كما نعلم غير راض عن

بدع أهل الطرق، وإن رضي أن يكون شيخا تقليديا لهم، ويتمنى لو يستطيع

إلى إصلاح حالهم سبيلا، ثم إنه يحب الإصلاح الديني المدني الذي ندعو إليه وهو

معتدل الفكر في ذلك على كثرة قراءته للكتب الفرنسية في الاجتماع والأدب

والسياسة، وقلما تذاكرنا معه في مسألة إلا وكنا على اتفاق أو انتهينا إلى اتفاق، فهو

في مكانة بيته وفي استقامته وآدابه واعتدال أفكاره أهل للزعامة إلا أنه ينقصه من

شروطها ما قلنا إنه ينقص عدلي باشا، فهو يشبهه في المبالغة في حفظ كرامته

الشخصية والبيتية وفي الإحجام عن كل ما من شأنه أن يثير خصاما أو يعقب ملاما

وفي عدم تعود الخطابة والكتابة والجدل والمحاجة، وقد عجبنا من دخوله في هذه

المعمعة على خلاف ما يعرف من طباعه على أنه تصدى أولا لأمر متفق عليه وهو

الاحتفال بوكيل الأمة ورئيسها قبل ظهور الخلاف، فجعل احتفال العلماء به في داره

الواسعة بل قصره الفخم، ثم جارى الشيخ بخيتا على تأييد الوزارة مع حفظ الصلة أو

حفظ الرجعة مع سعد باشا ووفده، ثم جارى الأمير عزيز حسن ورضي أن يعقد في

باحة قصره اجتماع عام يرأسه الأمير للاحتجاج على تصريح وزير المستعمرات

البريطانية المستر تشرشل.

ولكنه لما علم أن سعد باشا سيخطب في هذه الاجتماع بعد أن صارت خطبه

كلها تتضمن الرد على الوزارة والدعوة إلى عدم الثقة بها - ترك الدار للمدعوين من

جميع طبقات الأمة الممثلين لها وسافر إلى الإسكندرية ولم يحضر اجتماعهم، فإذا

لم يكن هذا اعتزالا منه للسياسة ومشاغباتها، بل ظل عازما على الاشتغال بها مع

رجال الدين أو غيرهم، فالذي أراه أنه لا يمكن أن يمضي في ذلك ويثبت إلا أن

يكون رئيسا لجماعة من المتعلمين المعتدلين العارفين بحال العصر بشرط أن

يسيروا بنظام مدون بحيث لا يعملون عملا إلا بقرار مدون، وأنا ممن يرشحونه

لهذه الرياسة إن هو أقدم، وأرجح أنه لا يفعل.

***

تبجح البخيتيين وغرورهم

بلقب أئمة الدين

إذا أراد رجال الدين الاشتغال بسياسة أمتهم ومصالحها العامة فأحوج ما

يحتاجون إليه من الاستعداد لذلك التوسع في تاريخ الملل والأمم المعاصرة وما وقع

فيها من الانقلابات الدينية والمدنية وما دعا الشعوب الأوربية إلى الفصل بين الدين

والسياسة وإزالة سلطان البابوات وتأثير ذلك في البلاد الإسلامية كبلادهم وبلاد

الدولة العثمانية التي كانوا تحت سيادتها على تحلي سلطانها بلقب خليفة المسلمين،

ويجب أن تكون أولى الفوائد أو الحقائق المأخوذة من هذا التاريخ أن يعلموا أن

شعبهم المصري نفسه، وسواده الأعظم من المسلمين، لا يقبل أن يخضع لشيوخ

يزعمون أنه يجب اتباعهم والخضوع لهم في أقوالهم وآرائهم في السياسة والمصالح

المدنية لأنهم من رجال الدين، وإن انتحلوا لأنفسهم ألقاب الأئمة أو جاد عليهم بها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٤٦