تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المقالات ويرسلانها إلى الشيخ محمد عبده في باريس فينشرها في العروة الوثقى

غير معزوة إليهما، وهذا تخلص عرض له في المجلس لم ير له مخرجا سواه، وقد

كرم نفسه أن ينشره في الجرائد، ولو نشره لسمع من تفنيده وما يحتف بهذا التفنيد

فوق ما منعه توقعه من نشره.

وإن تعجب أيها القارئ لهذا الجواب، فاسمع ما هو أجدر منه باسم العجب

العجاب، وهو أن الشيخ بخيتا قال في ملأ من العلماء: إن فتواه في البلشفية كانت

وسيلة إلى أمر عظيم وهو تطبيق قواعد البلشفية وقوانينها على الشرع الإسلامي،

ذلك أن أنور باشا امتنع على زعيم البلشفية (لينين) الشهير أن يساعده على نشر

البلشفية بسبب هذه الفتوى وفتوى أخرى لشيخ الإسلام في الآستانة مختصرة في

معناها، فاضطر (لينين) إلى تغيير قواعدها وجعلها موافقة للشريعة.

على هذا كان الشيخ بخيت هو والشيخ أحمد أبو خطوة هما المحررين لتلك

المقالات الإصلاحية التي نشرت في بضعة عشر عددا من العروة الوثقى، فاهتز

لها العالم الإسلامي وكادت تحدث فيه انقلابا عظيما على منع بريطانية العظمى إياها

من دخول مصر والهند وغيرهما من الأقطار الإسلامية، وفرضها غرامة تذكر

على من توجد بيده، سمعت شيخنا الشيخ حسينا الجسر يقول: ما كنا نشك في أن

العروة الوثقى ستحدث ثورة كبرى في العالم الإسلامي إذا طال أمرها إلخ. وحدثنا

الثقة أن الزعيم الكبير السيد سلمان الكيلاني نقيب الأشراف ببغداد في ذلك العهد

كان يقول كلما قرأ عددا من العروة الوثقى: لعله لا يجيء العدد التالي له إلا

والانقلاب المنتظر قد وقع، أو ما هذا معناه، هذا الروح القوي المؤثر المتجلي في

تلك البلاغة العالية كان العالم يزعم أن مصدره اتصال كهربائية السيد جمال الدين

الأفغاني بكهربائية الشيخ محمد عبده نابغتي الشرق والإسلام في هذا العصر، ذلك

الاتصال الذي تألق برقه فأضاء طريق النجاة للشرق وكاد يكون صاعقة محرقة

لمستعبديه، ولكن الشيخ بخيتا يقول اليوم لأفراد من الناس: إن هذا الروح روحه،

كان ينفخ منه وهو في شرخ الشباب بما كان له ذلك التأثير في العروة الوثقى،

ولكن ما باله قد زهق مدة أربعين سنة فلم يظهر له أثر في خطبة مؤثرة، ولا في

صحيفة من الصحف المنتشرة؟ وما باله اليوم وقد طفق يعيد ما بدأ، لم يحدث من

التأثير إلا التهكم والأذى، وما بال مقالة الشيخ الثانية ليس فيها أدنى نسمة من ذلك

الروح، ولا أقل مسحة من جمال ذلك الأسلوب؟

نشر الشيخ مقالة ثانية في التعصب انتقم بها من الذين صوبوا إليه سهام

الإزراء والغميزة، ومن الأمة المصرية أو الإسلامية بجملتها أن سكتت لهم ولم

يناضلهم عنه أحد منها، افتتحها بقوله: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا

هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} (الأنبياء: 18) وجاء بعد ذلك بجملة طويلة

من كتاب تهذيب الأخلاق لابن مسكويه وكتاب رياضة النفس من إحياء الغزالي في

صفات النفس وما في اعتدالها من الفضائل، وما في الخروج عن الاعتدال إلى

طرفي الإفراط والتفريط من الرذائل وجعل ذلك مقدمة لنفي الاعتدال وجميع ما

يتبعه من الفضائل عن المسلمين وثبات ضدها لهم بما كرره من قوله: لو أن

المسلمين كذا لما فعلوا كذا وكذا من المعاصي والرذائل، ولا سيما التباغض

والتحاسد، وكل ما يصح أن يوصف به من خاضوا فيه بما خاضوا مما لا يتسع

المقال لنقله ولا لنقده، لا أن نقول إنه ليس فيه من موضوع التعصب إلا إثبات

إفراط المسلمين فيه كغيره من الأخلاق والصفات، وهذا تصديق للأجانب الذين

رموا المصريين بالإفراط والتعصب وزيادة لو فطنوا لها لجعلوا الشيخ حجة أو فتوى

على عدم استحقاقهم للاستقلال، وهو ينقض أو يناقض الغرض السامي الذي تراءى

لنا أنه نشر مقالة العروة الوثقى لأجله كما تقدم.

هذا ما كان من أمر مقالة الشيخ بخيت في تصديه وتصدره للزعامة السياسية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٤٥