تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السباع ومخلب من الطير، وأوجبت رجم المحصن، إلى كثير مما ملئت به مدونات

فقه الحديث والكتب الجامعة لأحاديث الأحكام، كبلوغ المرام لابن حجر، والمنتقى

للمجد ابن تيمية، وشرحه نيل الأوطار للشوكاني.

ولا تنس ما في السنة من آداب وآخلاق وقصص ومواعظ ورقائق وعقائد،

وإن كانت لا تعدو شرح الكتاب.

وجملة القول أن الكتاب والسنة ينبوع هذا الدين المتين، ومعتمد المسلمين

وناموس المشرعين.

***

الدور الأول حفظ السنة في الصدور

لم تكن السنة في القرن الأول - عصر الصحابة وأكابر التابعين - مدونة في

بطون الكتب، وإنما كانت مسطورة على صفحات القلوب، فكانت صدور الرجال

مهد التشريع النبوي ومصدر الفتيا ومنبعث الحكم والأخلاق.

ولم يقيدوا السنة بكتاب لما ورد من النهي عن كتابتها، روى مسلم في

صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله- صلى الله

عليه وسلم -: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا

عني فلا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) ، قال كثير من

العلماء: نهاهم عن كتابة الحديث خشية اختلاطه بالقرآن، وهذا لا ينافي جواز

كتابته إذا أمن اللبس، وبذلك يحصل الجمع بين هذا وبين قوله صلى الله عليه

وسلم في مرضه الذي توفي فيه: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده)

وقوله عام الفتح: (اكتبوا لأبي شاه) ، وإذنه لعبد الله بن عمرو بتقييد العلم،

ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم بادر الصحابة إلى جمع ما كتب في عهده

في موضع واحد وسموا ذلك (المصحف) واقتصروا عليه ولم يتجاوزوه إلى كتابة

الحديث وجمعه في موضع واحد كما فعلوا بالقرآن الكريم، وصرفوا همهم إلى نشره

بطريق الرواية، إما بنفس الألفاظ التي سمعوها منه صلى الله عليه وسلم إن

بقيت في أذهانهم، أو بما يؤدي معناها إن غابت عنهم، فإن المقصود بالحديث هو

المعنى، ولا يتعلق في الغالب حكم بالمبنى بخلاف القرآن، فإن للألفاظ مدخلا في

الإعجاز، فلا يجوز إبدال لفظ منه بآخر، ولو كان مرادفا له؛ خشية النسيان مع

طول الزمان، فوجب أن يقيد بالكتابة، وأما السنة فتقييدها مباح ما أمن الاختلاط.

فأنت تراهم سلكوا مسلك الجمع بين هذه الأحاديث المتضاربة، لكن نظرت

لابن القيم في كتابه (زاد المعاد) أثناء الكلام على قصة الفتح ما يأتي: وفي القصة

أن رجلا من الصحابة يقال له: أبو شاه قام فقال: اكتبوا لي. فقال النبي صلى الله

عليه وسلم: (اكتبوا لأبي شاه) يريد خطبته. ففيه دليل على كتابة العلم، ونسخ

النهي عن كتابة الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كتب عني

شيئا غير القرآن فليمحه) ، وهذا كان في أول الإسلام خشية أن يختلط الوحي الذي

يتلى بالوحي الذي لا يتلى، ثم أذن بالكتابة لحديثه.

وصح عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتب حديثه، وكان مما كتبه

صحيفة تسمى الصادقة، وهي التي رواها حفيده عمرو بن شعيب، عن أبيه، عنه،

وهي من أصح الأحاديث، وكان بعض أئمة أهل الحديث يجعلها في درجة أيوب،

عن نافع، عن ابن عمر، والأئمة الأربعة وغيرهم احتجوا بها.

وإلى القول بالنسخ أميل: ذلك أن القرآن وإن كان بدعا في أسلوبه، فريدا في

نظمه يمتاز على غيره بالإعجاز، لكن المسلمين في أول الإسلام كانوا حديثي عهد

بنزوله، وكان النازل منه يسيرا، فلم تكن ميزته المثلى قد توطنت النفوس جد

التوطن، ولا تمكنت فيها فضل التمكن، فكان من الممكن أن يشتبه على من دون

فرسان البلاغة الوحي المتلو بغير المتلو، فوجب التمييز بالكتابة، فلما مرنوا على

أسلوبه، وطال عهدهم بسماعه وتلاوته حتى أصبحوا إذا سمعوا الآية تتلى أو السورة

تقرأ أدركوا لأول كلمة تقرع أسماعهم أن ذلك وحي الله المتلو، ولم يحم الاشتباه

حول نفوسهم، لما مرنوا على ذلك أذن لهم بكتابة الحديث لأمن اللبس.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٤