أعجز، فهذا هو وجه تخطئتي لاجتهادهم حتى على تقدير تسليم جميع أقوالهم،
وإنما كتب هذا لأجل التذكير وبيان وجه العبرة لمن يعتبر من أمتنا بما كان من
أغلاط الزعماء والعلماء بالمصلحة العامة فيما نستقبله من حياتنا السياسية التي لا
نزال فيها أطفالا بالنسبة إلى الأمم التي طال عهدهم بالتمرس بأعمالها والجهاد في
ميادينها.
يقولون: إن العمل معه صار متعذرا، فإن لم نقل إن المتبادر أنه صار
متعذرا بعد المشاقة إذ كان متيسرا قبلها، قلنا: إن الإخلاص في العمل للأمة
والحرص على وحدتها لا يمكن أن يكون بغير جهاد شاق وصبر واحتمال وإيثار،
وقد قيل في المثل: إن صح منك الهوى أرشدت للحيل، فعلى هذا لم يكن من
المتعذر أن يقنع بعضهم بعضا بالتناصر والتظاهر على الرئيس - وهم معه - فيما
يرونه أنه مخلا بكرامة بعضهم أو الاستبداد بالأمر دونهم، كما تظاهروا عليه في
الانتقاد الصريح في الجرائد والخروج من الوفد، فإن كانوا توهموا أنه كان الممكن
إسقاطه واستبدال غيره به قبل مجيئه من أوربة، وما قابلته به جميع طبقات الأمة
من أدنى البلاد إلى أقصاها من الحفاوة والغلو الذي كاد يكون من العبادة، فوقوع
هذا التوهم بعد ذلك كله من أغرب الخطأ، ولاسيما من هؤلاء الأذكياء العلماء
بأخلاق الأمم وسنن الاجتماع.
لقد كان زعماء جمعية الاتحاد والترقي الذين شبهناهم بهم في أول المقال أهدى
سبيلا منهم في المحافظة على زعامتهم ونفوذ جماعتهم في الدولة والأمة، فقد كان
ينكر بعضهم على بعض فيغلظون في الإنكار، ولكن لم يكن ذلك ليتعدى أنديتهم ولا
ليفرق جماعتهم، وبذلك كان لهم الفوز على جميع الأحزاب المناوئة لهم على قوتها،
والوفد المصري لم يكن له في الأمة خصوم يعتد بهم ويخشى عليه منهم، حتى
كانوا هم الذين شقوا عصاهم بأيديهم، وسنجد ألوفا من العاذلين لنا على هذه
الطريقة، ولا نتسامى إلى منصب القضاء فنقول: هذه الرأفة، الرأفة في الحكم
عليهم، أولئك الذين يتهمونهم بأنهم قصدوا بذلك خدمة أنفسهم، وما نحن لهذه التهمة
بشارحين، لأنا نكتب للوعظ والإرشاد، لا للتحيز إلى الزعماء والتحرف للأحزاب.
مكانة الزعامة في الأمة
ومكان سعد منها
(16) إن اجتماع كلمة السواد الأعظم من الأمة على زعيم يمثلها ليس من
الهنات الهينات، ولا من المقاصد التي تنال بسعي الأفراد والجماعات، إلا بمساعدة
الزمان بوقائعه وأحداثه وإشعاره الأمة بمعنى الزعامة والحاجة إليها، وإعداده
للزعيم الكفؤ للنهوض بها، وتمثيل وحدتها فيما استعدت له وتوجهت إليه، فإذا
وفقت الأمة للثقة بزعيم كفؤ للزعامة وجب على جميع أهل الرأي والمكانة فيها أن
يؤيدوه في العمل، ويقيلوا عثرته إذا عثر، ويقوموا عوجه إذا زاغ وانحرف، وأن
لا يشترطوا في المحافظة على زعامته العصمة، فإن الكمال المطلق لله وحده،
فبذلك يرجى نفعه، ويؤمن ضرر خطأه وضعفه، ولا يحل لهم أن يؤاخذوه على ما
ينقمون منه بخذله ولا بالطعن في كفاءته لما يعقب ذلك من تنكيث قوى الوحدة،
وصدع بناء الزعامة، ورب تنكث يتعذر إبرامه، ورب صدع لا يرجى التثامه.
وقد سبق القول بأن زعامة سعد كانت بالأكثرية الساحقة من السواد الأعظم،
ولم تكن إجماعا سالما من الشذوذ كما كان يتوهم؛ لأن إجماع الأمة التام على رجل
واحد في الظاهر والباطن محال في سنن الاجتماع وأخلاق البشر، وقد رأينا أن
مظاهرات الحفاوة بقدوم سعد كانت تحجب عن الأبصار ما على بعض الوجوه من
وجوم واكتئاب، وأن صيحات الهتاف له كانت تشغل الآذان عما يتفلت من الألسنة
من هيمنة إنكار، بل كان يتخلل تلك الحفلات ما يشير إلى ما سيكون بعدها من
الحملات، وقد سمعت في بعض المظاهرات اعتراضات فلسفية عليها، وشهدت
احتفالين أقامهما جيراننا وجهاء مصر القديمة صرح في أكبرهما بما أختصره وإن
كان من لباب الموضوع.