دعيت إلى الخطابة في هذا الاحتفال فأبيت؛ لزهدي في الظهور على مثل
هذه المنابر التي يتزاحم عليها طلاب الشهرة، ورغبتي عن الكلام في السياسة في
محافل أكثر شهودها من العامة، وعجزي عن الإطراء، الذي يألفه الجمهور في
هذا المقام، وكان من الخطباء فيه القمص سرجيوس خطيب قسوس القبط المشهور،
فخالف جميع الخطباء والشعراء الذين أخلصوا المدح والإطراء للرئيس سعد باشا
بما جاء به من المزيج وأمشاج القول المتضمن لتوقع الخلاف بين سعد وعدلي
ووصف سعد بالعناد والصلابة والإشارة إلى علاج ما يتوقع فارتأى أن تقتدي فيه
الأمة المصرية بسيرة (الفاتيكان) عند انتخاب البابا وهي أن الكردنيالات الذين لهم
حق الانتخاب يحبسون في حجرة يوضع لهم فيها قوت قليل، ولا يسمح لهم
بالخروج منها إلا بعد الاتفاق على انتخاب أحد المرشحين.
ولما سمعت خطابه آذنت الذين كانوا يراجعونني في اقتراح إلقاء شيء في
الحفلة بأنني قبلت فدعيت فصعدت المنبر وألقيت خطابا بينت فيه تحقق تكوين الزمان
للأمة المصرية بالعصبية القومية، وأن اتحاد الكثرة إنما يحصل إذا مثلتها جهة
واحدة، وهي ما يسمونه الزعامة والرياسة، ومتى تكونت الأمة وشعرت بنفسها
هداها هذا الشعور إلى الزعيم الذي يمثلها كما ينبت الرأس في الجنين عند تمام تكوين
أعضائه، وكم ينشأ في الأمة من رجال جديرين بالزعامة، ولا تعرف الأمة قيمتهم؛
لأنها ليست أمة إلا بالصورة الظاهرة كما تسمى صورة الأسد في الورق والجدار
أسدا، وقد كان الأستاذ الإمام يقول: يا ويح الرجل الذي ليس له أمة، ولا يقل أن
توجد أمة راشدة لا يوجد فيها رجل، بل رجال حقيقون بالزعامة فيها، وقد كان
الأستاذ الإمام من الرجال الذين يقل في الأمم الراقية أمثالهم، بل قال فيه الأستاذ
الدكتور براون من أكبر علماء الإنكليز المدرسين في إحدى جامعاتهم الكبرى
(كمبردج) : إنني لم أر في الشرق ولا في الغرب مثله. ولم تكن الأمة قد تكونت في
عهده تكونا تعرف به كنه قيمته، وتعمل بإرشاده وزعامته، وهذا تلميذه الزعيم الكبير
الذي نحتفل به اليوم قد كان أهلا لهذه الزعامة منذ سنين كثيرة، ولم تكن الأمة تعرف
فيه ذلك على شهرته؛ لأنها لم تكن تعرف نفسها فتعرف زعيمها. ثم ذكرت من
صفات سعد ما اقتضاه المقام، وهو في معنى ما تقدم في موضعه من هذا المقال.
وهنا تلطفت في الإشارة إلى الرد على ما رماه به القمص سرجيوس من العناد
والتعصب لرأيه، وقلت: إن الذي نعهده منه بالاختبار، الاستقلال في الرأي واحترام
الحقيقة والاعتراف بها إذا ظهرت له، وطالما شهدنا له في داره محاورات في
مسائل علمية واجتماعية كان ينصف فيها مناظريه ومحاوريه بكل ارتياح، ويعترف
بصحة رأيهم إذا ظهر له أنه الصواب، وربما كنا منهم أو معهم في بعض الأحيان.
واستطردت في الخطاب إلى الرد على من ينكرون فائدة هذه الاحتفالات
والمظاهرات بأنها هي الذريعة الوحيدة إلى جعل عقيدة الاستقلال شعورا عاما شاغلا
لقلوب جميع أفراد الأمة من جميع طبقاتها في زمن قصير، وإلى تربية أطفالها
ونابتتها عليها، فإن هتاف الألوف الكثيرة من الرجال والنساء والأطفال في المجامع
والشوارع والبيوت للاستقلال التام ولمصر الحرة ولزعيمها المطالب باستقلالها
وحريتها، والوفد العامل معه - قد علم جميع الأميين من الطبقات الدنيا وأشعرهم بما
لم يكن يعلمه ويشعر به إلا أهل التعليم العالي والتربية الاجتماعية السياسية.
وانتقلت من هذا إلى بحث قلت إنه أشبه بالدرس منه بالخطابة، وهو ما يجب
على الأمة من العمل للمحافظة على دوام وحدتها وتكافلها في سبيل المطالبة
باستقلالها وما يجب لحفظ الاستقلال والنهوض بأعبائه إذا نالته، وأهم ذلك وأعلاه
ما يسمى المسألة الاقتصادية وحفظ ثروة الأمة، وليس هذا من موضوع مقالنا هذا،
فنلخص فيه ما قلناه في ذلك الخطاب وطالما كررناه في المنار وفي بعض المقالات