الاستنباط وحرصه على العدل، وخصومه يسمون هذه الملكة غلظة وكبرا، أو
يطلقون أمثال هذه النعوت على بعض لوازمها.
وقد زادوا في بعض هذه الأيام نعته أنه مستبد لا يخضع للشورى، فهو يعمل
باسم الوفد ما يراه، وإن خالف قرار الأكثرين، وهذا خلاف ما نعرف فيه ونعهد
منه، فإذا أردنا إنصاف القائلين بهذا بحمل كلامهم على الصدق، ولا سيما فيما
ينقلونه من الوقائع المعينة، فلا نرى جامعا يجمع بينه وبين ما هو معروف عنه من
الإنصاف والاستقلال ومعرفة قيمة النظام ومراعاة القوانين إلا ما حدث في الوفد من
الشقاق واختلاف النيات، وإلا فإن مثل سعد لا يخفى عليه أن شعبه الذي يفتخر
بحق بارتقائه وأهليته لتولي أمور نفسه بنفسه في حكم دستوري، لا يمكن أن يقبل في
عمل من أعماله رئيسا مستبدا لا يجري على نظام الشورى، ولا متكبرا لا يحترم
آراء من معه، وإن هذين الخلقين لا يخفيان على أحد.
على أننا قد سمعنا بآذاننا وسمع الجماهير مثلنا خطبه في المحافل والمجامع
العظيمة، وقرأها أكثر ممن سمعوها، فهم يشهدون بأنه كان يعزو فيها كل عمل
إلى أعضاء الوفد، ويذكرهم بمنتهى الأدب والاحترام، ويقدمهم أحيانا على نفسه،
وعلمنا أنه زار من لم يزره ممن عادوا من أوربة قبله مغاضبين له، مع العلم بأنه
كان أشدهم زراية عليه وصدا عنه، وفضله على نفسه في إحدى خطب المجامع
الحافلة، ولم يكن هذا بجاذب لذلك العضو إلى الوفاق، بل لم يزده إلا حقدا وضغنا
وإعراضا وطعنا.
الحكم في الشقاق بين أعضاء الوفد ورئيسه
(16) إنني أعرف بعض أعضاء الوفد المصري معرفة صحبة ومودة،
وأعرف بعضهم معرفة مواجهة ومحاولة، وأجهل حال غير المشهورين منهم جهالة
تامة، فأنا أحكم بصدق الوطنية لبعضهم على علم وخبر، وأحكم به للآخرين على
قاعدتي أصل البراءة وحسن الظن، وقد سمعت ما قاله المختلفون على رئيسهم سعد
باشا وقرأت ما كتبوا، فرأيت أنهم قد أخطأوا في اجتهادهم، حتى على تسليم جميع
أقوالهم، فكيف إذا كان القول الوسط المعقول في هذا الاختلاف هو القول في كل
اختلاف بين فريقين في أمر من الأمور العامة والمصالح السياسية والمسائل
الاجتهادية التي تختلف فيها الآراء والأنظار، وهو أن يكون كل فريق مخطئا في
بعض ما اختلفوا فيه ومصيبا في بعض، فإن جاز عقلا أن يكون أحدهما مصيبا في
كل ما خالف فيه الآخر فأي الفريقين أجدر بأن يحكم له بالصواب؟ آلفريق الذي
يخطئه السواد الأعظم من الأمة بعد معرفة كل ما أدلى به من الحجج وما أدلى به
خصمه؟ ولا يؤيده إلا نفر قليل جدا أكثرهم من أصدقاء أفراده أو من أتباع أصحاب
العصبية منهم؟ أم الفريق الذي يؤيده السواد الأعظم، ويرمي مخالفيه بأشنع التهم،
وينبزهم بأفظع الألقاب؟
أقول: إن المؤيدين لأعضاء الوفد الذين شاقوا الرئيس نفر قليل جدا في
مجموع الأمة، مع العلم بأن الذين أيدوا الوزارة العدلية كثيرون جدا، فإن الذين
أيدوا الوزارة لا يؤيد جميعهم ولا أكثرهم أعضاء الوفد المشايعين لها، بل أكثرهم
يرى أن سعد باشا هو زعيم الأمة بحق، وأنه هو المرجع الذي يعول عليه عند
تحكيم الأمة فيما يأتي به وفد الحكومة الرسمي من الاتفاق مع الحكومة البريطانية،
ولئن كان المشاقون لسعد أول من أيد عدلي، ويعتقد أهل الرأي أنه لولاهم لما كان
ما كان، فإن المؤيدين له بعد أن أصر على السير في القضية بدون اتفاق مع سعد
والوفد إنما أيده أكثرهم بنفوذ الحكومة لا بنفوذ هؤلاء الأعضاء، فهم قد نزلوا
بمشاقتهم لسعد عن مقام الزعامة العامة في الأمة إلى أدنى مما كانوا عليه قبلها، فإن
كانوا تركوا سعدا لحفظ كرامتهم الشخصية التي نقلوا عنه أنه لم يكن يعطيها حقها،
ولتأييد المصلحة العامة التي قالوا أنهم رأوه باستبداده غير أهل لها، فقد كانت
خسارتهم الشخصية بهذا الترك أعظم، وصاروا عن القيام بخدمة المصلحة العامة