يمكن للأمة الإسلامية أن تجاري سائر الأمم في سعة العيش والعزة والاستقلال
بدونه، ومنه ما هو قبيح ضار مفسد لأمري الدين والدنيا جميعا، ومن سنن
الاجتماع المطردة في البشر أن الإفراط في الأمور المتقابلة تظهر به مزية الوسط
المعتدل بينهما، وأن استعداد الجمهور الأعظم هو الذي يرجح أحد الطرفين
المذمومين، أو الوسط المحمود في العمل، والذي رأيته أن حظ بيروت في المسألة
النسائية كان أقرب في هذا الطور إلى الاعتدال.
في كل طبقة من المحافظين والمتفرنجين والمتوسطين إفراط وتفريط واعتدال
فغلاة الاتحاديين أمرهم فرط؛ إذ كانوا يرون التعجيل بإبطال جميع العقائد
والعبادات والعادات، وتكوين الأمة تكوينا جديدا في كل شأن، وزعيمهم الدكتور
ناظم وطلعت باشا، وكان من المعتدلين منهم أنور باشا؛ إذ كان يرى احترام الشعائر
الدينية والاستفادة من الرابطة الإسلامية، بدلا من قطع روابطها، ويعتقد بعض
عارفي أمره أنه صار بمقامه في برقة صحيح العقيدة، محافظا على الصلوات إيمانا
واحتسابا لا سياسة ورياء، وبذلك اتسعت مسافة الخلف بينه وبين أولئك الغلاة
وزعيميهم، ومن رجالهم المعتدلين عزمي بك الذي كان واليا على بيروت في زمن
الحرب، وقد رأيت الناس فيها معجبين بما كان عليه من الحزم والعزم والعدل
والدقة في النظام، ويرون أنه لو كان عند الدول كثير من أمثاله لفاقت بها دول
أوربة.
وجه عزمي بك عنايته في بيروت إلى ترقية المسلمات في الحضارة العصرية
بالتدريج الذي تؤمن معه الفوضى الأدبية وتعويدهن حضور مجامع الرجال العلمية
والأدبية وسماع ما يلقون فيها من الخطب المفيدة والشعر العصري، وإسماعهم ما
تجود به قرائح المتلعمات منهن، ومشاركتهن لهم في الأمور الاجتماعية، ولولا أن
وجد في بيروت أحمد مختار بك بيهم يساعده على ذلك لضاع عزمه وخاب سعيه
على ما أوتي من قوة إرادة وسلطة كادت تكون مطلقة.
كان لأحمد مختار بك بيهم جماعة من المرايا لم تجتمع في وطنه لغيره في
عصره، كان على كرامة بيته ومكانة عشيرته ذكي الفؤاد طلق اللسان جريء
الجنان صادق الوطنية والغيرة القومية عالي الهمة كبير المروءة حسن المعاشرة
عارفا بزمانه وفيا لأصدقائه، فكان بذلك من زعماء مسلمي بيروت الذين يرجع
إليهم في المهمات، كما كان محترما عند سائر الطوائف بآدابه وحسن معاشرته،
فكان الناس يحبونه ويحترمونه ويحسنون الظن بإخلاصه حتى فيما ينكرونه من
شذوذ بعض أعماله وميله إلى التفرنج، فلم يكونوا يتهمونه بأنه يقصد بهذا إضعاف
مقومات أمته ومشخصاتها الملية ولا تقوية النفوذ الأجنبي فيها، فهذه المكانة التي
كان يعرفها لنفسه في قومه جرأته على مواتاة عزمي بك ومساعدته على ما قصد
إليه، بل استعان كل منهما بنفوذ الآخر على عمل يريانه نافعا للمسلمين، بل لا بد
لهم منه في حياتهم المدنية العصرية، بل كانا يريان أن نساء المسلمين لا بد أن
يتركن الحجاب ويجارين غيرهن من نساء الملل في الحضارة العصرية، وأن
الخير لنا أن نبني ذلك على أساس متين؛ أي: جامع بين مصلحة الدنيا وصلاح
الدين، وإلا فعل التيار العصري فعله فينا بغير اختيار منا، فكان إثمه أكبر من
نفعه.
أنشأ الزعيمان ناديا للنساء في سنة 1335 (1917م) وألفا له جمعية من
كرائم المتعلمات منهن باسم (جمعية الأمور الخيرية للفتيات المسلمات) ، ثم أسس
هؤلاء الكرائم مدرسة لتعليم البنات، وكان النادي يعقد اجتماعات نسائية يحضرها
النساء والمستحسنون لهذا العمل من الأدباء والأطباء، ويلقون فيها الخطب
والدروس التي اصطلح كتاب العصر على تسميتها بالمحاضرات، ويسمون من
أعضاء النادي الكرائم ما يلقينه فيه ويتحدثون معهن في المسائل الأدبية والاقتصادية
والصحية وتدبير المنزل والتربية، وإنما يكن مع الرجال سادلات على وجوههن
النقاب الإسلامبولي الأسود، لا سافرات، ويجلسن في جانب والرجال في جانب،