تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن تقضي بتفضيل ابن زمرك على ابن الخطيب؛ إذ قد يكون لابن الخطيب

تخيلات أخرى أدرك فيها شأوا لم يلحق ابن زمرك غباره، بل تجد له في هذا

المعنى نفسه تخييلا سبق فيه إلى الغاية القصوى وهو قوله:

وميض رأى برد الغمامة مغفلا ... فمد يدا بالتبر أعلمت البردا

ومما يصدق أن تكتفي في تفضيل الشاعر بإجادته في البيت أو الأبيات أنك

ترى حازما الأندلسي قد فاق ابن هانئ في وصف التقاء الصبح بآخر الليل

حيث يقول الأول:

كأن بياض الصبح معصم غادة ... جنت يدها أزهار زهر الدجى لقطا

ويقول الثاني:

كأن عمود الصبح خاقان عسكر ... من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى

وترى ابن هانئ يقول في وصف الثريا:

وولت نجوم للثريا كأنها ... خواتيم تبدو في بنان يد تخفى

ففاق حازما حين قال:

كأن الثريا كاعب أزمعت نوى ... وأمت بأقصى الغرب منزلة شحطا

وقد لوحنا فيما سلف إلى بعض الأسباب التي تقوم للشاعر فيفضل في بعض

المعاني أو الأغراض من هو كفؤا له أو أرسخ منه قدما؛ كالتفاوت في قوة الباعث

على النظم، فمن يخاطب إنسانا وقد ماجت مهجته بعواطف وده الخالص، وأضرمت

النوى في فؤاده شوقا إليه يقع على دفائن من المعاني يقف دونها من يخاطبه تفصيا

من ملامة أو تعرضا لمسألة ليست بذات بال، ويضاف إلى هذا أن أحد الشعراء قد

يمتاز بمعرفة العناصر التي يؤلف منها المعنى كما امتاز البارودي عن بعض أدباء

عصره بمشاهدة الكهرباء وإشراقها في أجرام سماوية كروية، فقال يصف الثريا:

وكأنها أكر توقد نورها ... بالكهرباءة في سماوة مصنع

وقد يستوي الشاعران في الاطلاع على العناصر البسيطة، ولكن أحدهما

يشاهدها مؤلفة في صورة لم يشهدها الآخر فيساعده استحضار تلك الهيئة على

انتزاع معنى لا يخطر على بال غيره، فصفوان بن إدريس الأندلسي عاش في

مطر يرى فيه المقلة الزرقاء تلوح عليها حمرة الرمد، فقال يصف الورد مفتحا

على شاطئ الخليج:

والورد في شط الخليج كأنه ... رمد ألم بمقلة رمداء

ومن الشعراء من لم يأخذ في حافظته صورة المقلة الزرقاء وعليها مسحة من

الرمد كمن نشأ في ناحية الجنوب، وإنما رأى المقلة الرمداء ولون الزرقة ينفرد

أحدهما عن الآخر، وانظر إلى ابن الرومي حين قال له بعض اللائمين: لم لا تشبه

تشابيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ ثم قص عليه تشبيهه للهلال بزورق من فضة

عليه حمولة من عنبر، وتشبيه الآذريون بمداهن من هذب فيها بقايا غالية - قال

الرومي: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة: 286) ذاك إنما يصف ماعون

بيته؛ لأنه ابن خليفة، وأنا أي شيء أصف؟ ولكن انظروا إذا أنا وصفت ما

أعرف أين يقع قولي من الناس؟

وقد يتفق الشاعران في معرفة العناصر والهيئة المؤلفة ويكون أحدهما أشد

علقة بها وأكثر ترددا عليها، فيكون خطورها على قريحته أكثر من خطورها على

قريحة من شاهدها مرة أو مرتين، كنت رأيت مرة الآلة المصورة، وعرفت كيف

ترسم الصورة في زجاجتها، ولم يسنح لي أن أستمد منها معنى خياليا حتى نزل

بجواري في بعض البلاد أحد المولعين بها، وتكررت ملاحظتي لها، فريثما جال في

خاطري معنى الخطأ في فهم الحقيقة هجمت علي صورة الآلة والزجاجة فقلت:

عذرتك إذ صورت في نفسك الهدى ... ضلالا وصورت الضلال رشادا

فإن زجاجات المصور تقلب ال ... سواد بياضا والبياض سوادا

قد يستمد الشاعر من غيره تخييلا يضيف إليه ما يوسع في نطاقه، ولهذا

ثلاثة أحوال:

أحدها: أن يكون الأصل من المعاني النادرة والزيادة تساويه في غرابتها أو

تنقص عنه، وهنا لا يكون صاحب الزيادة أرجح ممن أنشأ أصل المعنى قطعا؛ إذ

من المحتمل أن شبهه لهذه الزيادة وإدراجه لها في صورة المعنى إنما تيسر له من

تلقيه لذلك الأصل الذي أقامه له الشاعر الأول؛ بحيث لا يكون في قريحته فضل قوة

على تحصيل هذا الأساس بنفسه، ومثال هذا قول علي الكوفي يصف النجوم:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٧٣