يرويه بسند متصل مع خلوه من الشذوذ والإعلال. والشذوذ: مخالفة الثقة من هو
أرجح منه. والإعلال: وجود أمر خفي يقدح في صحة الحديث كوصل منقطع أو
رفع موقوف. ثم المقبول إن سلم من المعارضة يسمى محكما، وإن عورض بمثله،
فإن أمكن الجمع بغير تعسف فهو مختلف الحديث، وإن لم يمكن الجمع وثبت
تأخر أحدهما عرف المتأخر بالناسخ والآخر بالمنسوخ، وإن لم يثبت، فإن أمكن
الترجيح بين الحديثين صير إليه وإلا توقفنا عن العمل بهما. والحديث المردود ما
وجد فيه أحد أمرين: الأول: عدم الاتصال في السند، والثاني: وجود أمر في
الراوي يوجب طعنا فيه، ودرجات الطعن في الراوي عشرة: الكذب، والتهمة به،
وفحش الغلط، والغفلة عن الإتقان، والوهم - بأن يروي على سبيل التوهم -،
ومخالفة الثقات، والفسق، وجهالة الراوي، والبدعة، وسوء الحفظ. وللعلماء
تفصيل في هذه الدرجات، فالمحققون يقبلون رواية المبتدع في غير ما يؤيد بدعته،
وقال بعضهم: ما لم يكن داعية. ولهم في العمل بالحديث الضعيف الذي لم يشتد
ضعفه أقوال وشروط يجيزونه بها، أو يقدمونه على القياس كما يعلم من كتب أصول
الحديث وأصول الفقه.
***
كيف تأخذ السنة الآن؟
كانت السنة في القرون الأولى تؤخذ من أفواه الشيوخ، وقلما كان الرواة
يثقون بالمخطوط، وكان اتصال سند الراوي بالرسول - صلى الله عليه وسلم -
مع عدالة المروي عنهم وكمال ضبطهم أمرا لا محيص عنه، حتى يحوز الحديث
درجة الصحة، فلما أن صنفت كتب الصحاح المشهورة وذاعت في الأقطار المختلفة
قامت شهرتها مقام تواترها، فلم تبق حاجة لاتصال السند منا إلى مصنفيها في كل
حديث دون فيها، وأصبح الاعتماد على الكتاب فوق الاعتماد على الشيوخ، قال أبو
عمرو بن الصلاح [97] : اعلم أن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود منها في
عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى؛ إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا
يدري ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطا يصلح لأن يعتمد عليه، وإنما
المقصود بها بقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة. أقول: وهذا هو
الغرض بعينه في عصرنا والعصور السالفة قبله في محافظة الشيوخ على سلسلة
السند إلى مصنفي الكتب الشهيرة كالبخاري ومسلم.
إنما الواجب على أمثالنا أن يتثبتوا من أمور ثلاثة: كون الكتاب الذي يروون
الحديث عنه صحت نسبته إلى مؤلفه أو تواترت، والبحث في سند الحديث الذي
روي به في ذلك الكتاب، وخلوه من الغلط والتحريف والدخيل، وسبيل معرفة الثالث
أن تقابل نسخة من الكتاب الذي يراد الأخذ عنه بنسخ أخرى منه مختلفة في الرواية؛
إن كان ثم اختلاف فيها، أو بنسخ متعددة منه، إن لم يكن اختلاف في الرواية،
فإذ ذاك يطمئن القلب إلى تلك النسخة، وتتبين له درجة صحتها وخلوها من العيوب،
فيقوم ذلك مقام تعدد الرواة.
وعلى ذلك ينبغي لمن رام طبع كتاب من كتب السنة أن يقابل الأصل الذي
لديه بأصول متعددة حتى تسكن لصحتها نفوس القارئين، ويكفيهم بذلك مؤونة
المقابلة إن كان من العدول الثقات.
وإن مما يؤسف له أن كثيرا من كتب الحديث التي طبعت لم تعط من العناية
في التصحيح ما ينبغي لفن جليل كالحديث، ولم تضبط بالشكل الذي هو أيسر
الأمور، وأقل ما يراعى في سنة الرسول، فعسى أن يتنبه لذلك الطابعون بعد،
ويولوا هذا الفن من عنايتهم ما يلائم كبير مقامه وعظيم شأنه.
***
الاستنباط من السنة وأثره فيها
لم تكد المائة الثالثة تؤذن شمسها بالغروب حتى أخذ مصباح الاجتهاد ينكمش
ضوءه ويتضاءل فيه، بل كاد ينمحي أثره، فبعد أن كانت عقول النابهين مطلقة
السراح في رياض القرآن والسنة تستنبط منها الأحكام، وتفصل بها في الحوادث،
وتحكمها في الأمور الجلى أصبح الناس منصرفين عنها، لاهين بأقاويل الفقهاء
ينتصر كل لإمامه، ويسعى في تأييد مذهبه، وإن خالف صريح السنة فانقسم الناس