ما أجمل الصائمين عندما يتحلقون حول موائد الطعام المرفوعة عند أناس،
وصحافه الموضوعة على الأرض عند آخرين، وهم ينتظرون في كل قطر وكل بلد
تلك الدقيقة أو الثانية التي يسمعون فيها صوت المدفع أو كلمة المؤذن، والأحشاء
خاوية، والشفاه ذابلة، واللهاة جافة، ولا أحد يمد يده إلى ما أمامه من كأس دهاق،
وأنواع ذواق [3] ، حتى إذا ما طرق المسامع ذلك الصوت المنتظر، امتدت الأيدي
إلى ما أعد لها مثل اللمح بالبصر، وانطلقت في أثرها الألسنة بالثناء والدعاء:
اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن
شاء الله تعالى [4] .
وفي الحديث المتفق عليه: (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند
لقاء ربه) ، وليست الفرحة عند الفطر بإعطاء النفس الحيوانية حقها وشهوتها
المحللة لها فقط، وإن كان هذا حاصلا ولا غضاضة فيه، بل الأصل في هذه
الفرحة ما يشعر به كل من أدى عملا شريفا عند إكماله له، ولا سيما إذا كان شاقا
وانتقل منه إلى ما يلذ وترتاح له النفس، وقد جعل الله تعالى لصيام كل يوم لذة،
وجعل عاقبة صيام الشهر كله عيدا، كما جعل يوم إتمام أركان الحج عيدا؛ لأن في
كل من الصيام والحج مشقة بدنية مقرونة بلذة روحية.
يا حسرة على الخاسر المحروم من هذه النعمة الروحية والرياضة البدنية
والرابطة الإسلامية، تعس عبد الشهوة، تعس ضعيف الإرادة، الذي يفطر في
شهر رمضان، ويقطع هذه الصلة بينه وبين ربه، ويفصم عروة هذه الجامعة التي
تربطه بأخوة الملايين من أهل دينه، فإذا كان يفطر؛ لأنه يشق عليه ترك طعامه
وشرابه ودخانه مثلا، فما أشبهه بالعجماوات من الأنعام والحشرات، وليتأمل ما
أجمع عليه علماء التربية في هذا العصر في نظام الكشافة من الولدان، وكيف
يروضون أبدانهم باحتمال التعب وركوب أنواع المشاق، وإذا كان ترك الصيام
إرضاء للملاحدة والمرتدين، ويرضى أن يكون من مقلدتهم العميان المنكوسين،
الذين قال فيهم الشاعر:
عمي القلوب عموا عن كل فائدة ... لأنهم كفروا بالله تقليدا
فهو شر مكانا وأضل سبيلا، وإن غش نفسه أو غشه شياطينه بانتحال
الألقاب الخادعة الخاطئة الكاذبة كالحرية والمدنية واستقلال الفكر وتحكيم العقل،
ولو حاسب نفسه بفكر مستقل وعقل سليم من الغرور، وتلبيس الأهواء والشهوات،
لعلم أنه مغرور يغش نفسه ويخدعها بهذه الأسماء التي يستر بها نقصها وعبادتها
لشهواتها.
الإفطار في رمضان بغير عذر معصية من الكبائر، واستحلاله واستقباحه
والإنكار على شرعه للناس كفر بواح، والمجاهرة به معصية أخرى من أكبر
الكبائر؛ لأن ضرر الإفطار وحده قاصر لا يتعدى المفطر، وضرر المجاهر متعد،
فإن المجاهرة استهانة بالشرع، وهدم للشعيرة الدينية التي يشترك المسلمون فيها
ويمتازون من غيرهم، حتى كأن المفطر ليس منهم، وقدوة سيئة لضعفاء الإيمان
أقوياء الشهوات البهيمية تجرؤهم على الفطر وعدم المبالاة بالدين ولا باحترام
المسلمين، فالمجاهر بهذه الجريمة من الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل
ويسعون في الأرض فسادا بإزالة المقومات المعنوية والمشخصات الاجتماعية التي
تمتاز بها أمتهم وتستقل دون غيرها، وبالفسوق من الآداب والفضائل الشخصية
التي ترتقي بها نفوس أفرادها، وتحفظ حقوق جماعاتها.
أي أمة تعيش عزيزة كريمة بغير آداب ولا فضائل؟ وكيف يمكن أن تبنى
الفضائل على غير قواعد الدين؟ وإذا كان الدين أقوى روابط الاجتماع بين أكثر
البشر، ولا سيما الشعوب الإسلامية منها، وكانت الأمم العزيزة القوية تنفق
الملايين من الجنيهات على دعاة دينها لأجل استمالة أهل الأديان الأخرى إليه، وإذا
كان بعض كبار ساستها قد صرح بأن أول خطوات الاستعمار مدارس المبشرين
التي تبطل ثقة نابتة الأمة الجديدة بدينها فتحدث الشقاق المعنوي بينها، فتضعف
وحدتها بانقسامها وتفرقها، وإذا كان كل خبير واقف على سير الاجتماع فينا يعلم