ثم ذكر عن ابن أبي هاشم أن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أن الجهات
التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة،
وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل (قال) : فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا
تلقوه سماعا عن الصحابة بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط امتثالا لأمر
عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن، فمن ثم نشأ
الاختلاف بين قراء الأمصار مع كونهم متمسكين بحرف واحد من السبعة (يعني لغة
قريش) . وقال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم، وصحت
رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. أي: لا كلها ولا
واحد منها فقط.
وجملة القول أن العلماء الذين صنفوا الكتب في القراءات والمصاحف
والحديث قد أحصوا كل ما روي عن الصحابة في القرآن والقراءات والتفسير
من متواتر ومشهور وشاذ، ولكن العمدة في ثبوت القرآنية ما تواتر ولو في
بعض الأمصار دون بعض، والقاعدة الكلية فيما جروا عليه في إقراء الناس في
الأمصار هي كما قال الكواشي: كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية
ووافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة (أي: في الحديث) ،
فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات عن سبعة كانوا أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط
من هذه الثلاثة فهو الشاذ، اه.
ثم إن المشهور عند علماء الأصول والفقهاء أن القراءات السبع المسندة إلى
القراء السبعة الذين اشتهروا في الأمصار بالإقراء: (أبي عمر، ونافع، وابن كثير،
وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي) متواترة، ولكن استثنى بعضهم منها ما ليس
من قبيل الأداء، كصفات المد والإمالة وتخفيف الهمزة التي خولف فيها الأصل،
كما ترى في جمع الجوامع. وصرح بعضهم بأن بعض رواياتهم في هذا غير
متواترة؛ لأنها مروية عن الآحاد، أو من طرق ضعيفة، وأن القاعدة العامة التي
ذكرنا عبارة الكواشي فيها آنفا محكمة في هذه القراءات كغيرها، ونقل الحافظ هذا
المعنى عن شرح المنهاج للسبكي وعن أبي شامة، وقال في آخر هذه النقول: ونحن
وإن قلنا: إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت، وعنهم نقلت، فلا يلزم أن جميع ما
نقل عنهم بهذه الصفة، بل فيه الضعيف لخروجه عن الأركان الثلاثة، ولهذا ترى
كتب المصنفين مختلفة في ذلك، فالاعتماد في غير ذلك على الضابط المتفق عليه
اه.
فعلى هذا يكون مثل هؤلاء القراء السبعة كمثل أصحاب الكتب الستة في
السنن من حيث شهرتها وكثرة المتلقين لأحاديثها عنهم، وإن كانوا لم ينفردوا
بروايتها، ولا كانت تكون مجهولة لو لم يدونوها في كتبهم، ومن حيث إن ما
صححوه منها لم يقلدهم العلماء به تقليدا، بل كان جميع ما دونه الشيخان في
صحيحهما معروفا عند جماهير المحدثين من شيوخهما وغيرهم في عصرهما وبعد
عصرهما، ومرويا عن غيرهما، وقد ناقشهما بعضهم في توثيق بعض رجالهما،
وفي غير ذلك مما هو معروف، وطعن بعض المحدثين في بعض قراءات بعض
القراء كحمزة لا ينافي صحة قراءته مطلقا، ولا صحة ما أنكروه منها، كطعن
بعضهم في صحة بعض أحاديث البخاري واتفاق سائرهم بعد هذا الطعن على
صحة ما طعن فيه كله أو أكثره، ذكر الحافظ الذهبي في الميزان الخلاف في جرح
حمزة وتعديله في قراءته، فعظم السائل أمر الجرح دون التعديل، ومنه قول أبي
حنيفة: غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض، وقراءة الأعمش عند
رؤيته مقبلا قوله تعالى:] وبشر المخبتين [وقول الإمام (الحج: 34)
سفيان الثوري: ما قرأ حمزة حرفا إلا بأثر. وقد بين أبو بكر بن عياش مراد
من قال: إن قراءته بدعة؛ بقوله: لما فيها من المد المفرط والسكت والإمالة
واعتبار الهمزة في الوقف. وقال الحافظ الذهبي مع ذلك: وإليه المنتهى في الصدق
والورع والتقوى. وقال: وقد انعقد بالإجماع بآخره على تلقي قراءة حمزة بالقبول.