أحسن تقويم، وكرمه وفضله على كثير من خلقه تفضيلا إنما خلقهم تعالى لأجل أن
يعذبهم عذابا شديدا أليما مهينا أبديا تمر الألوف والملايين من الأحقاب والقرون وهو
لا يزداد إلا شدة واستمرارا، وإن هذا العقاب جزاء عادل على مسائل اعتقادية قليلة،
كان أكثرهم جاهلا بها وغافلا عنها؛ لأنه لم يدعه أحد إليها ألبتة، وقد بلغت
بعضهم على وجوه مختلفة منكرة لا على وجه صحيح يحرك داعية النظر فلم ينظر
فيها، وبعضهم نظر وبحث فلم يتبين له أنها الحق، وبعضهم ليس أهلا للنظر
برسوخه في تقليد أهل دينه واطمئنانه به، وإن هذا العقاب الأبدي الأليم لا ينافي ما
ثبت في العقل والنقل من عدل الله تعالى وحكمته وسعة رحمته وكونه أرحم
الراحمين، بل أرحم من الوالدة الرؤوم بطفلها الرضيع، هذا ما يقولون أنهم لا
يعقلونه فيؤمنوا به وليس في طاقتهم أن يعتقدوا صحة دين يحكم به ويحتمه.
9- إنني أحمد الله تعالى أن وفقني لإقناع كثير من الناس مختلفي الدين
والجنس بحكمة الله وعدله في عقاب المجرمين، كما وفقني لإقناع من لا أحصي
لهم عددا من المرتدين والمعطلين الماديين بوجود إله خالق واحد وبالرسالة، وبكثير
من أصول الدين وحكم فروعه، وموافقة الدين الإسلامي للعقل ولمصالح البشر في
دنياهم، وإنني ابتليت بمراجعة الناس لي في ذلك من أيام طلبي للعلم؛ لأنني كنت
كثير البحث فيه بالميل الفطري حتى إن بعض الشيوخ في طرابلس الشام كان
يراني في السوق فيسألني عن بعض مشكلات الشريعة ووجه مطابقتها للعقل أو
للمصلحة العامة، وحدثني دانش بك الذي كان أمين السر لمحمود باشا الداماد والد
الأمير صباح الدين بك التركي الشهير حين جاء من مصر في أوائل العهد بهجرتي
إليها أن الأستاذ الإمام قال له: إنني لا أعرف أحدا أقدر من هذا الشاب صاحب
المنار على التوفيق بين الدين وبين العقل والمدنية. ثم أقول بعد هذا وحمد الله عليه
عودا على بدء أنني لم أعجز عن إقناع منكر لشيء من أصول الدين أو حكمه،
كما عجزت عن إقناع المنكرين لأبدية العذاب الأليم الشديد إنكار اشتباه وارتياب لا
جحود وعناد، فإن الجاحد المعاند لهوى في نفسه لا يقتنع بالضروريات بله
المشكلات، ولكنني إذا قلت لبعضهم: إن لبعض السلف والخلف من المسلمين قولا
بانتهاء العذاب وقولا بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى قالوا: إننا نجزم بأن عظمة الله
تعالى وحكمته ورحمته تجل عن تعذيب هؤلاء العباد الضعفاء الجاهلين إلى غير
نهاية، أي الأمرين أجدر بهؤلاء؟ آلجزم بأن عدم نهاية العذاب الشديد لمن ذكر من
أصول الدين التي يعد غير المؤمن بها مرتدا لا يعتد بإسلامه، أم إقناعه بأن اعتقاده
لا ينافي الإسلام، وأن له أسوة بمن سلف من المؤمنين، ولو الجهمية الذين لا يكفرهم
أهل السنة بما خالفوهم فيه عن استدلال وتأول؟
10 - بعد هذا كله أصرح هنا بأن مسألة فناء النار أو انتهاء عذابها الأليم
الشديد مع بقائها ليست عندي من المسائل التي أدعو إليها وأناضل عنها، ولا أبالي
أن أنشر لمن يرد عليها ما يكتبه على علاته من غير نقد لما أراه منتقدا منه بشرط
ألا يطيل بما لا حاجة إليه في الوضع، أو بما سبق ذكره لابن القيم في حجج القائلين
بالقول الآخر، وأن يبين صفة من لا ينتهي عذابهم ومن لا ينتهي نعيمهم التي
استحق بها كل منهما ذلك، وأتمنى لو يوفق أحد لشيء يقنع من ذكرت، والله
الموفق للصواب.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>