هود فيها.
وقد سبق لنا تحقيق مثل هذا التفويض في تفسير قوله تعالى حكاية عن عيسى
عليه السلام في قومه: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز
الحكيم} (المائدة: 118) ، وبينا فيه ضعف من اضطرب فيه من المفسرين؛
لصراحة العبارة في جواز المغفرة لمن اتخذه وأمه إلهين من دون الله، ومنه أقوال
بعض مفسري الأشعرية باستحسان غفران الشرك، كما صرح به أبو السعود
والآلوسي، وأطنب الرازي في ذلك وأتى بعدة وجوه في تأييد مذهبهم رددناها عليه
أقوى رد بفضل الله علينا، وبينا وجه تذييل الآية بصفتي العزة والحكمة دون
المغفرة والرحمة بما لم نطلع على مثله لأحد.
5 - إن قيل: إنه تعالى بين في سورة النساء أنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما
دون ذلك لمن يشاء، فهذا تقييد للمشيئة ينقض قول الأشعرية. قلنا: إنما يدل هذا
على أن العقاب على الشرك حتم مقضي، ولكنه لا يدل على أنه سرمدي لا نهاية له،
بل هذه مسألة أخرى، وجمهور العلماء يقيدون المشيئة بغير هذا النص أيضا؛ إذ
صرحوا بأنه لا يغفر لمن يوحد الله ولا يشرك به إذا لم يؤمن بملائكة الله ورسله
واليوم الآخر، ولا لمن جحد أي أمر مجمع عليه معلوم من دين الإسلام بالضرورة،
ويؤولون النص في جواز غفران ما دون الشرك كالنص في خلود متعمد القتل في
جهنم بناء على مذاهبهم، فأكثر التأويل لتصحيح المذاهب المتبعة، لا للجمع بين
النصوص وتقديمها على جميع المذاهب، والآيات تثبت إطلاق المشيئة إلا أنها لا
تعارض غيرها من صفات الله ومدلول كلامه.
6- إن مرادنا بقولنا: إن هذا البحث لا يضر المؤمنين بقول الجمهور مقلدين
كانوا أو مستدلين - ظاهر جلي، وهو أنهم يردون القول المخالف لمن قلدوهم أو
لدلائلهم، فلا يترتب عليه أثر في أعمالهم، ونزيد على ذلك أنه لا يضر أحدا من
المؤمنين مطلقا، وإن سامه؛ لأن جواز تعلق مشيئة الله تعالى بانتهاء عذاب الكفار
بعد لبثهم في النار أحقابا لا يصح أن يكون سببا لترك المؤمن الصادق لشيء من
الواجبات، ولا لارتكابه لشيء من المحرمات، ولكن في كتب الفقه والكلام
والمواعظ والأدب وخطب المنابر كثيرا من الأقوال التي أزالت حرمة الأوامر
والنواهي من قلوب الجم الغفير من الناس، وكان من أثرها ما نراه من ترك الصلاة،
ومنع الزكاة، والمجاهرة بالفطر في رمضان، وفشو السكر والزنا والقمار، كالكلام
في تخلف الوعيد والعفو والمغفرة والكفارات والشفاعات والكرامات، وقد شرحنا ذلك
مرارا، ورددنا شبهات الضالين فيها، وبينا ما له أصل منها وما هو موضوع باطل
كحديث إعتاق ستمائة ألف عتيق من النار في كل ليلة من رمضان، ولم يكتف خطباء
الفتنة وعلماء التقاليد بتلقين الدهماء هذه الموضوعات، بل تصدى بعضهم لرد ما يرد
عليها كأنها من أصول الدين، كقول بعضهم: إذا كان عدد عتقى رمضان يزيد على
عدد مسلمي الأرض كلهم، ولا سيما في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن الله
تعالى يكمله من الجن.
وإنني بما اتفق لي من الاختبار الواسع للناس، وبقدر ما أوتيت من العقل
والفهم أجزم بأنه يندر أن يكون الخوف من العذاب الأبدي سببا لاستجابة كافر لدعوة
الدين، بل هذا قلب للمعقول؛ لأنه يتوقف على التصديق بالعذاب المذكور قبل
الإيمان بالرسول وبما جاء به، وهذا قلما يقع إلا لأفراد من المعاندين كبعض كبراء
مشيخة قريش في زمن البعثة.
7- لا أنكر أن بعض المارقين والملاحدة المشاغبين قد تزيدهم أمثال هذه
المباحث رجسا إلى رجسهم من حيث تزيد المؤمنين إيمانا بالله تعالى: {يضل به
كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين} (البقرة: 26) الذين فسقوا من
نور الفطرة والاستعداد للهداية، كما تفسق الرطبة من قشرتها، وإنما أرجو أن يهتدي
بهذا البحث بعض المرتابين من أهل النظر الذين يؤمنون بأن للعالم إلها عظيما