فإن هذا فضلا عن كونه يحمل الولد على احتقار والده واعتقاد الكذب فيه
يسهل أمر الكذب عليه، ومن شابه أباه فما ظلم، فينشأ كذابا لا يصدق بقول، ولا
يفي بعهد.
ومما نبه إليه الشارع من أمر تربية الأولاد أن لا يتشاءم الوالد بأحد أولاده،
ولا ييأس منه إذا رآه عنيدا شرسا ذا شرة وأذى، فقد يتحول كل هذا فيه إذا أحسنت
تربيته إلى أخلاق فاضلة كالشجاعة، وقوة الإرادة وكبر العقل والشمم وطلب
المعالي، قال - صلى الله عليه وسلم -:
- (عرام [8] الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره) .
والعرام: الشراسة والأذى والأشر والبطر ومفارقة القصد والخروج عن الحد،
وقيل: هو الفساد.
ومن وصاياه - صلى الله عليه وسلم - أيضا لآباء الأولاد ما جاء في قوله:
(الولد ثمرة القلب وإنه مجبنة مبخلة محزنة) .
ومعنى ذلك أن الآباء لفرط حبهم أولادهم وحرصهم على خيرهم قد تتغلب
عليهم صفات الجبن، فتراهم يجبنون عن التعرض للأخطار خشية أن يموتوا
فتضيع صغارهم من بعدهم، و (البخل) فهم يبخلون ويشحون بالمال فلا ينفقونه
في وجوهه الواجبة أحيانا لئلا يموتوا بلا إرث يتركونه لصغارهم يتمتعون به في
كبرهم، و (الحزن) : فهم إذا اعتل الولد وساءت حاله وجموا وحزنوا واستولى
عليهم اليأس والقنوط، وهذا معنى (مجبنة) (مبخلة) (محزنة) وهي من صيغ
المبالغة في الوصف، وما ذكر من هذه الأوصاف وإن كان أمرا فطريا أو طبيعيا
في الآباء، والشارع يعترف به، فهو ينبه إلى خطره، ويوصي الآباء بالرفق
والاعتدال خشية أن تستحكم فيهم هذه الملكات، فتقودهم إلى الشرور والآفات.
ومما ورد في فضل الولد قوله - صلى الله عليه وسلم -:
- (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع
به، أو ولد صالح يدعو له بخير) .
- (إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال له: باستغفار
ولدك لك) .
والحنو على الولد والرأفة به والصبر على ما يبدو منه أحيانا من العناد
والطيش ودواعي الصبوة أمر طبيعي في الآباء يحتملونه بصبر ورضا، إلا من
ندر منهم، فقد رأى الأقرع بن حابس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل
ولده الحسن، فقال له: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم. فقال - صلى الله
عليه وسلم -: (إن من لا يرحم لا يرحم) .
وقال معاوية - رضي الله عنه - للأحنف بن قيس: ما تقول في الولد؟ قال:
يا أمير المؤمنين، ثمار قلوبنا، وعمار ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء
ظليلة، وبهم نصول على كل جليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم
يمنحوك ودهم، ويحبوك جهدهم، ولا تكن عليهم فضلا ثقيلا، فيملوا حياتك، ويودوا
وفاتك، ويكرهوا قربك. فقال له معاوية: لله أنت يا أحنف، لقد أرضيتني عمن
سخطت عليه من ولدي. ثم وصله بعطية عظمى.
***
(كلمة المنار في هذا الفصل)
هذا الفصل من كتاب الأخلاق والواجبات للشيخ عبد القادر المغربي صديقنا
ورفيقنا في طلب العلم بطرابلس الشام ألفه حديثا لحكومة دمشق الشام؛ ليقرأ في
مدارسها، وهو كما يرى القارئ في حسن أسلوبه وكثرة فوائده الجامعة بين حاجة
العصر وهداية الدين، ولما أرسل إلينا هذا الفصل منه لننشره في المنار كتبنا إليه
منتقدين إغفاله تخريج أحاديثه وكثرة الضعاف فيها، مع إمكان الاستغناء عنها
بالصحاح، فكتب إلينا أنه قدر ما كتبناه إليه قدره، وإن عذره الاضطرار إلى
الاختصار مع كون الكتاب كتاب آداب لا كتاب حديث، وإن أحاديثه منقولة من
الجامع الصغير وهي مخرجة فيه (سوى أحاديث قليلة مسندة غالبا إلى راويها) ،
وإن التصريح بضعف بعض الأحاديث يسقط تأثيرها من النفوس، ويظن الطالب
أن الضعيف بمعنى الباطل مع أنه ليس إلا اصطلاحا للمحدثين، وإن العلماء
تساهلوا في أحاديث الفضائل ولا سيما إذا كانت موافقة لأصول الإسلام إلخ.
لأجل هذا رجعنا عما كنا عزمنا عليه من تخريج أحاديث هذا الفصل، وبيان