تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فنظمه لها، وهو لا يرتجي من ورائها فائدة، بل يوجس في نفسه الخيفة من أن

يناله عضد الدولة بالعقوبة عليها، يشعر بأن الباعث له على إنشائها التلهف

والإخلاص.

ولو نظرت إلى القصائد التي يخاطب بها الشعراء الملوك تهنئة بانتصار أو

فتح، وقستها بالقصائد التي يخاطبونهم بها تهنئة بعيد مثلا، أو بمولود أو بناء قصر

لوجدت الأولى أجود خيالا؛ لأن انتصار الدولة مما يبذر في نفوس الأمة فرحا،

ويثير فيها عاطفة إجلال لمن جرى النصر على يده، وليست الثانية بهذه المكانة، إذ

طلوع العيد على الأمير وازدياد ولد له، أو تشييده لقصر لا تهتز له نفس الشاعر

حتى تطير به في جو الخيال، ويقتنص ما يلذه الذوق من بدائع الأفكار، وانظر إن

رمت الوثوق بهذا إلى قصيدة أبي تمام التي يهنئ فيها المعتصم بفتح عمورية:

السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب

فإنه ذهب بمعانيها مذاهب خيالية لا تطلع له على ما يحاكيها في القصائد التي

لم يستفزه لها غير ما يرجوه من النوال.

وكذلك الشاعر الذي يريد أن يتبرأ من جناية تعزى إليه، أو يحاول أن يزيل ما

في نفس السلطان من ضغينة أو نية سيئة، فإنه يبتكر من المعاني ما لا يبتكره

في القصائد التي يمدحه بها وهو مقبل عليه.

ربما يخوض الشاعر في غرض إنما دعاه إليه مجاراة غيره ومباراته في

مضمار البيان، فيبلغ مبلغ من انساقوا إليه عن إحساس وعاطفة نفسية، ويقع على

تخيلات جيدة، ولكن أمثال هذه التخيلات تنهال على ذي التأثر النفسي بدون تعسف

حينما يحتاج الآخر إلى أن يحث إليها قريحته ويجاذبها وهي كالمتعاصية عنه.

***

بماذا يفضل التخييل

عرف مما سبق أن التخييل يدور على انتقاء مواد متفرقة في الحافظة، ثم

تأليفها وإبرازها في صورة جديدة، فيرجع فضله والبراعة فيه إلى ثلاث مزايا:

إحداها: أن يكون وجه المناسبة بين تلك الجواهر، أعني المواد المؤلفة منها

صورة المعنى، غامضا، فمزية من يتخيل الكواكب أزهارا باسمة في روضة

ناضرة دون مزية من يقول:

وضوء الشهب فوق الليل باد ... كأطراف الأسنة في الدروع

فإن المشابهة بين الكواكب والأزهار لا تغيب عن كثير من الناس، أما التشابه

بين النجوم وبين أطراف الأسنة اللامعة عند نفوذها في الدروع لا يحوم عليه إلا

خيال بارع.

ولا فضل لمن يرى الشمعة فيحاكيها بالرمح إذا قسته بمن ينظر إليها فيقول:

كأنها عمر الفتى ... النار فيها كالأجل

فإن محاكاتها بالرمح لا تكاد تخفى على ذي بصر، وإنما الخيال الفائق هو

الذي ينتقل منها إلى العمر والأجل حيث يشعر بالمناسبة الدقيقة بينهما، وهو أن

الأجل يدنو من الإنسان حينا فحينا، ويتقاضى عمره رويدا رويدا إلى أن تتقلص

عنه أشعة الحياة كلهيب الفتيلة يدب في جسم الشمعة وينتقصها قليلا قليلا إلى أن

يأتي على آخرها، وتذهب في الجو هباء منثورا.

ثانيتها: أن يكون التخييل مبنيا على ملاحظة أمور متعددة، فالصورة التي

يراعى في تأليفها ثلاثة معان مثلا تكون أرجح وزنا وأنفس قيمة من الصورة التي

تبنى على رعاية معنيين، فمن الشعراء من يصور لك الرمح شهابا ثاقبا، فهل

يحق لك أن تساويه بمن يخيله لك، ورؤوس الأعداء منصوبة على طرفه بالغصن

يوم يكون مكللا بالثمار؟ كما قال ابن عمار يخاطب المعتصم صاحب المرية:

أثمرت رمحك من رؤوس كماتهم ... لما رأيت الغصن يعشق مثمرا

يقف الناس في تصوير الحرب بمعنى الرحى عند قولهم: دارت رحى الحرب،

وكان عمرو بن كلثوم أبسطهم في هذا التخييل باعا حيث يقول في وصف

الحرب:

متى ننقل إلى قوم رحاها ... يكونوا في اللقاء لها طحينا

يكون ثفالها شرقي نجد ... ولهوتها قضاعة أجمعينا

فالثفال: ما يبسط تحت الرحى ليتساقط عليه الدقيق، واللهوة: القبضة من

الحب تلقى في فم الرحى لتطحنها، وقضاعة: هي القبيلة التي يهددها هذا الشاعر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٣٤