تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من زيادة شرح وبيان، أو استدراك أو اعتراض، فجاء مثل كتاب أبي عبيد أو

أكثر منه، وقد قال في مقدمته: أرجو أن لا يكون بقي بعد هذين الكتابين من

غريب الحديث ما يكون لأحد فيه مقال. وقد كان في عصره إبراهيم بن إسحاق

الحربي الحافظ [61] جمع كتابا في الحديث بلغ خمس مجلدات، بسط فيه القول

وأطال بذكر المتون وأسانيدها، ولو لم يكن في المتن إلا كلمة واحدة من الغريب،

فهجر الناس لذلك كتابه، وإن كان جم الفائدة، ثم أكثر الناس من التصانيف في هذا

الفن كالمبرد [62] ، وثعلب [63] ، ومحمد بن قاسم الأنباري [64] ، وسلمة من عاصم

النحوي , وعبد الملك بن حبيب المالكي، ومحمد بن حبيب البغدادي، وغيرهم من

أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث، واستمرت الحال إلى عهد الإمام محمد بن أحمد

الخطابي البستي [65] فألف كتابه المشهور في غريب الحديث سلك فيه نهج أبي عبيد

وابن قتيبة، وصرف عنايته فيه إلى جمع ما لم يوجد في كتابيهما، فاجتمع له من ذلك

ما يداني كتاب أبي عبيد أو كتاب صاحبه، فكانت هذه الكتب الثلاثة في غريب

الحديث والأثر أمهات الكتب، وهي الدائرة في أيدي الناس، وعليها يعول علماء

الأمصار، إلا أن هذه الكتب الثلاثة وغيرها لم يكن فيها كتاب صنف مرتبا ومقفى

يرجع الإنسان عند طلب الحديث إليه إلا كتاب الحربي، وهو على طوله وعسر

ترتيبه لا يوجد الحديث فيه إلا بعد تعب وعناء، ثم هي مع ذلك متفرقة فيها

الأحاديث، فلا يعلم الناظر في أيها يوجد الغريب فيحتاج إلى البحث في كثير منها

حتى يجد غرضه.

فلما كان زمن أبي عبيد أحمد بن محمد الهروي [66]- وهو من طبقة

الخطابي ومعاصريه - ألف كتابه السائر، جمع فيه بين غريب القرآن والحديث

ورتبه ترتيبا لم يسبق إليه، فاستخرج الكلمات اللغوية الغريبة من أماكنها وأثبتها في

حروفها مرتبا لها على حروف المعجم ولم يفعمه بالأسانيد والمتون والرواة - شأن

ما سبقه من الكتب - فإن ذلك له علم مستقل به، وقد جمع فيه من غريب الحديث

ما في كتب من تقدمه وأربى عليه، فجاء كتابا جامعا في الحسن بين الإحاطة

والوضع، إلا أنه جاء الحديث مفرقا في حروف كلماته، ولقد ذاع صيت هذا

الكتاب بين الناس واتخذوه عمدة في الغريب، واقتفى أثره كثيرون، واستدرك ما

فاته آخرون.

وما زالت الأيام تنقضي عن تصانيف وتبرز تآليف إلى عهد الإمام أبي القاسم

محمود بن عمر الزمخشري [67] فألف كتابه الفائق في غريب الحديث، وإنه لكتاب

قيم رتبه على وضع اختاره مقفى على حروف المعجم، ولكن في العثور على معرفة

الغريب منه مشقة وإن كانت دون غيره مما سبقه؛ لأنه جمع في التقفية بين إيراد

الحديث مسرودا جميعه أو بعضه، ثم شرح ما فيه من غريب فيجيء شرح كلماته

الغريبة في حرف واحد فترد الكلمة في غير حروفها، فكان لذلك كتاب الهروي أقرب

منه متناولا، وإن كانت كلمات الحديث متفرقة في حروفها.

ولقد ألف أبو بكر محمد بن أبي بكر المديني الأصفهاني [68] كتابا جمع فيه

على طريقة الهروي ما فاته من غريب القرآن والحديث، وكذلك صنف أبو الفرج

عبد الرحمن بن علي الجوزي [69] كتابا في غريب الحديث خاصة نهج فيه منهج

الهروي، بل كتابه مختصر من كتابه لا يزيد عليه إلا الكلمة الشاذة واللفظة الفاذة،

بخلاف كتاب أبي موسى المديني فإنه لا يذكر منه إلا ما دعت الحاجة إليه.

أقول: ثم جاء مجد الدين مبارك بن محمد بن محمد الشيباني المعروف بابن

الأثير [70] ، الذي لخصت ما تقدم من مقدمة نهايته، فجمع ما في كتاب الهروي وأبي

موسى من غريب الحديث والأثر، وأضاف إليه ما عثر عليه في كتب السنة من

صحاح وسنن وجوامع ومصنفات ومسانيد - وإنه لكثير - سالكا في الترتيب منهج

أصله، فكان من ذلك كتابه، النهاية في غريب الحديث والأثر، وقد رمز لما في

كتاب الهروي بالهاء، ولما في كتاب أبي موسى المديني بالسين، وقد ذيل النهاية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٢٦