رفعت إليه حتى رآها، وفي رواية شريك لحديث المعراج في كتاب التوحيد من
صحيح البخاري: أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يطردان، فقال له جبريل: هما
النيل والفرات. فروايات حديث المعراج مضطربة المتن في هذه المسألة
وغيرها، كثيرة التعارض والاختلاف كما بيناه منذ سنين.
والظاهر أن من أسباب الاضطراب والاختلاف في هذه الأحاديث روايتها
بالمعنى، ولم ير جمهور العلماء المتقدمين حاجة إلى ردها بالاضطراب، ولا تأويل
هذه المسألة فيما أولوا، قالوا: لأنها لا تنافي العقل. وفاتهم أنها تخالف ما هو
أقوى من دلالة العقل الذي يكثر غلطه في النظريات وهو الحس، فإن الألوف من
الناس رأوا منبع النيل والفرات بأعينهم، وفي مصر كتاب مطبوع فيه رسم
بحيرات النيل التي ينبع منها ومجراه من أوله إلى مصبه في البحر المتوسط.
قال النووي في شرح مسلم: قال القاضي عياض رحمه الله: هذا الحديث
يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها.
زاد الحافظ في شرح البخاري: وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه
أن يكون أصل سدرة المنتهى في الأرض. ورد النووي قول القاضي بظاهر معنى
الحديث، وكونه لا يمنعه عقل ولا شرع، ثم ذكر النووي في شرح حديث أبي هريرة
عند مسلم في المسألة: (سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة) ،
إن سيحان وجيحان في بلاد الأرمن، الأول نهر أذنه (أطنه) والثاني نهر
المصيصة، ثم نقل عن القاضي عياض في تأويل الحديث أن الإيمان عم بلاد هذه
الأنهار، وأن الأجسام المتغذية بمائها صائرة إلى الجنة، ثم قال: والأصح أنها
على ظاهرها، وأن لها مادة من الجنة. واحتج بحديث المعراج اه، وقال
بعضهم: إن المراد بكون النيل والفرات من الجنة هو التشبيه لمائهما بماء الجنة في
عذوبته وحسنه وبركته؛ أي: فوائده على طريق المبالغة، وهذا لا تكلف فيه إذا فسر
به حديث أبي هريرة بأنها من الجنة، ولكن الاستعارة لا تظهر في روايات أحاديث
المعراج إلا بتكلف، ولعل سبب ذلك روايتها بالمعنى، ويسهل الخطب على القول بأن
حديث المعراج كان بيانا لرؤيا منامية، أو مثالا لمشاهدة روحية والله أعلم.
***
مسألة تعدي التعزية بالباء:
البيت الذي ذكر السائل في رثاء محمد بن يحيى البرمكي ليس من كلام
العرب، بل لا أصدق أنه من كلام أهل ذلك العصر إلا إذا وجدته مرويا في كتب
المتقدمين، على أن الباء فيه لا يتعين أن تكون للتعدية، بل الظاهر أنها للسببية،
أي: أقمنا لكي نعزى بسبب فقده، على أن معاجم اللغة ذكرت الفعل لازما لا متعديا
ب (عن) ولا بالباء، وللباء وجه قياسي كما علمت.
***
أهل الفترة وأبوا النبي صلى الله عليه وسلم
في نجاة أهل الفترة خلاف مشهور، وقد استثنى المثبتون لها من ورود النص
بأنهم من أهل النار في الأحاديث التي ذكرها السائل وغيرها، وإلا كانت هذه
الأحاديث حجة عليهم، وقد شرحنا مسألة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم وأبي
إبراهيم عليه الصلاة والسلام في تفسير {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما
آلهة} (الأنعام: 74) الآية، فيراجع في المجلد العشرين من المنار أو المجلد السابع
من التفسير.
***
كعب الأحبار
س7 من صاحب الإمضاء في (زنجبار)
حضرة العلامة السيد محمد رشيد رضا المحترم
بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي سؤالنا عن العلامة كعب الأحبار الذي نسمع بأحاديثه الكثيرة، وكان
عالما عند اليهود، ثم أسلم على يد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعاش إلى زمن
معاوية، ومات وعمره 200 سنة، أهو شخص حقيقي أو وهمي؟
... ... ... ... ... ... ... ... صلاح ناجي الكسادي
(ج) كعب الأحبار شخص حقيقي معروف في كتب الحديث وتواريخها،
وقد اختلفوا في تاريخ إسلامه، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: والراجح أن
إسلامه كان في خلافة عمر. وروي عنه أن سبب تأخر إسلامه أن أباه كان كتب له