مثال ذلك: قد يقع الإنسان في التعارض بين بر الوالدين ومسألة الجهاد، فينظر في نصوص الجهاد، ويكثر من النظر فيها؛ حتى يقع في قلبه تعظيم هذا الأمر، ولو كان عقوقاً لوالديه، ويقدم هذا على هذا؛ وذلك لأنه اشغل قلبه بنصوص معينة, صرفته عما هو أعظم من ذلك، ولو شغل الإنسان قلبه بما هو أدنى من ذلك كبعض أعمال البر مثل كفالة الأيتام، وأكثر من النظر فيها، والأجور المترتبة عليها، وأخذ ينظر فيها صباحاً ومساءً, لأصبحت في قلبه أعظم من التوحيد والعياذ بالله! وهذا من الخلط الذي ينبغي للإنسان أن يكون من أهل الموازنة ليتجنبه، وألا ينساق إلى العاطفة، وإنما يحكمه في ذلك النص، وإذا وقف على النص، فليجعل ذلك الأمر هو الحاسم له في هذا الأمر، والعاطفة في ذلك كثيراً ما تسوق الإنسان إلى الغواية وكذلك إلى الشر، وخاصة ما يتعلق بالأمور المتعدية، التي تتعدى من الإنسان إلى غيره.
السبب الثاني: اعتماد الإنسان على قول غيره دون الصدور عن النص الشرعي
السبب الثاني الذي يوقع الإنسان في أبواب الخلط: أن يصدر الإنسان عن قول غيره, لا أن يصدر عن وحي من كلام الله جل وعلا, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة المقادير على ذلك النحو الذي تقدم الإشارة إليه. فإذا صدر الإنسان عن قول غيره تسلل إليه حينئذ الخطأ، وأصبح الخطأ متناسخاً, فيتناسخ من فرد إلى فرد، وهذا من أعظم ما يوقع الإنسان في الوهم والغلط، وكذلك الخلط في أبواب الأولويات، فتعظيم الإنسان لباب لا يعني تعظيم غيره له، وقد يكون هذا الأمر معظماً عنده ويجوز منه، لكنه لا يجوز من الآخر، وهذا من الأمور التي ينبغي أن تدرك.